بـقـلـم :بن بطوش
دوما ما كانت إشارات النظام الجزائري تخيف النخب الجزائرية، و دوما أيها القارئ الكريم ما أدعوك لتتبع الوضع عن قرب لأن مصير قضيتنا، مرتبط بمصير الدولة الجزائرية و ساستها، خصوصا و أن هذا النظام منذ جلوس”تبون” على كرسي الرئاسة سحب ملف صراعنا مع المحتل من البيت الأصفر المغلوب على أمره و مُنِح للأجهزة السرية العسكرية بصلاحيات تصرف واسعة، و اليوم كل ما نستطيعه هو متابعة الأخبار و الاجتهاد في تحليلها، و توقع ما يحمله المستقبل الذي يبدو صعبا و شاقا علينا كشعب صحراوي أَلِف المواجع…
فالزيارة التي قام بها الرئيس الجزائري إلى موسكو، ستكون –لا محالة- مدخلا لكل الشرور التي ستحيق بالجزائر في المستقبل القريب، و ستكون السبب في جعلها هدفا للأطماع الخارجية، سيأتي الوقت الذي ستعترف فيه أيها القارئ الكريم بأن هذا المنبر لم يكن يُقدِّم مجرد مقالات، بل كان يفتح أمامك نافذة تطل منها على القادم من المتغيرات الدولية دون تنجيم أو شعوذة صحفية…؛ فالرئيس “تبون” وضع كل البيض الجزائري في سلة “بوتين”، و يعتقد بأن هذا الأخير سيضمن له النجاة من قانون “CAATSA” الأمريكي بعدما رفعت فرنسا يد دفاعها عن الجزائر، و “تبون” يعرف جيدا أن العقوبات الأمريكية قادمة لا ريب، و يظن عبثا أن الدخول إلى مجموعة “البريكس” سينجيه من مخالب البنك الدولي و النظام المالي الغربي… !!
ننطلق في هذا المقال من هواجسنا و مخاوفنا التي ظهرت في خطوات الرئيس الجزائري الأولى و هو ينزل من طائرته و قد بدا مرتبكا منذ البداية، و لكننا لن نكون كجميع المتنمرين المتربصين بالرجل، و لن نقول أنه كان ثملا و كاد أن يقع من درج الطائرة رغم علمنا أنه يعشق و يدمن الكحول، و هذا شأنه و شأن الجزائر العميقة التي آمنت به و ببرامجه…، لأن الوضع الذي ظهر عليه “عبد المجيد تبون” يؤكد أن الرجل مريض، و أنه لربما مرضه يفرض عليه الحصول على عقار قوي يجعله في نصف وعيه، لهذا رأيناه يتشبث بيده اليمنى على حافة درج الطائرة و قدماه بالكاد تحملانه، و يجب أن لا ننسى بأن قدمه اليمنى بُتِرت منها الأصابع خلال رحلة علاجه بألمانيا…، بالإضافة إلى أن “شنقريحة” لا يحتاج إلى رئيس بكامل وعيه، فيكفي أن يكون قادرا على قراءة ما حُرِّر له في ثكنة “بن عكنون”….
و حتى لا تسرق منا التفاصيل هذا المقال، أريد أيها القارئ أن نركز على صلب الزيارة التي تهدف إلى تحقيق ثلاثة أبعاد؛ أولها سياسي و ثانيها اقتصادي و ثالثها عسكري، و سأحاول أن أتناول هذه المحاور الثلاثة في أكثر من مقال، حتى نتمكن من الإحاطة بهذه الزيارة من كل جوانبها، لأن بها كمية من التفاصيل محبطة و مخيفة للشعب الصحراوي و الجزائري و حتى للشعوب العربية…، فإذا كان المحتل المغربي قد تجرأ على التطبيع مع إسرائيل من منطق المصالح و بغرض الوصول إلى عمق الأسرار الكبرى لهذا الجنون التكنولوجي و العلمي، فإن الجزائر العميقة و بدافع الخوف من الرباط و واشنطن و باريس، أرسلت الرئيس “تبون” ليسلم لـ “بوتين” مفاتيح قصر المرادية كي يتخذ القرارات بالنيابة عن كل الجزائريين، و وضعت بين يديه أصول شركة “سونطراك”، و شرَّعت في وجهه العمق الإفريقي بدءا من مالي و ليبيا.
لن نستبق الأحداث و سنكتفي في هذا المقال بالجانب السياسي، و نخضع كلمة الرئيس الجزائري خلال الاجتماع إلى التفكيك، كي نتعرف على هوية كاتب خطابات الرئيس الجزائري، و نعود هنا إلى خطابات قائد الجيش الجزائري و استخدامه لعدة مصطلحات نراها قد استخدمت فيما قبل بشكل فجٍّ في خطاب الرئيس الموقت، الراحل “عبد القادر بن صالح”،حين اجتمع مع وفد روسي يرأسه “بوتين” خلال القمة الإفريقية الروسية بمدينة سوتشي، حينها كان الراحل قد أخبر الرئيس الروسي أمام وسائل الإعلام أنه طلب هذا الاجتماع ليُطمئِنه بأن الوضع في الجزائر مُتَحكَّم به، عندها لم يجد الرئيس الروسي غير ابتسامة استهزاء ليرد بها على كلام مخاطبه، الذي بدى كخادم لديه.
اليوم نرى الرئيس الجزائري “تبون” يستخدم نفس الخطاب مع تعديلات بسيطة في العبارات، و كأن الراحل “عبد القادر بن صالح” هو نفسه الذي يجلس مع الرئيس “بوتين”، و الأكثر أن خبراء الطب النفسي مباشرة بعد مشاهدتهم للاجتماع لاحظوا ضيقا في تنفس الرئيس الجزائري، و اضطرابا في حركاته و هو جالس، و صعوبة في نطقه للعبارات، و قالوا أن الرئيس الجزائري لم يستطع اخفاء حالة الخوف خلال هذا الاجتماع، و كان قليل النظر إلى عيني “بوتين”، و كأنه أمام قاضي ينتظر منه النطق بالعقوبة في حقه…، و أن هذا كله ناتج عن الإحساس بالدونية، و عدم الثقة في الخطاب الذي مُنِح له ليقرأه.
نصل إلى ما جاء في الخطاب و هنا منتهى الخطورة، حيث – و على عكس العادة التي ألفناها في حواراته الصحفية- كانت كلمة “تبون” مركّزة و خالية من العنتريات، و لم يذكر فيها بأن الجزائر قوة إقليمية و لا دولة قارة لها جيش جبّار…، بل انطلق من موضوع الصداقة و قال أن الجزائر صديقة لروسيا و وفية لهذه الصداقة، و كأنه يريد الاعتذار للرئيس الجزائري عن زلته بالبرتغال حين قال:”أن روسيا صديقة و أن أوكرانيا صديقة”، و أضاف في كلمته أن الجزائر تتعرض للضغوطات و لكنها لا تُؤثر على هاته الصداقة، في محاولة منه ليظهر أن كل ما سبق و حصل كان خارج إرادة الجزائر، خصوصا تصريحه – قبل أسبوع فقط من هاته الزيارة- و بملء إرادته لوسائل الإعلام، بأن الجزائر لها رؤية متناغمة مع واشنطن في جل القضايا، و قبول الجزائر بشروط واشنطن و لندن قبل الحصول على منصب العضو غير الدائم بمجلس الأمن.
مباشرة بعدها بدأ الرئيس الجزائري يكيل المديح و الشكر لروسيا، و إذا ما أغلقت عينيك أيها القارئ و أعدت الإنصات لهذا المقطع من خطاب “تبون”، سيخيل لك و كأنك أمام مشهد من أفلام تاريخ الفراعنة، حيث “تبون” يجتو على ركبتيه أمام”بوتين”المتربع على عرش عظيم و هو يشكره على صون حرية الجزائر، و على تسليح الجزائر و الدفاع عن الجزائر؛ فالرئيس “تبون”لم يستخدم عبارات الشكر بل اختار الامتنان و نطقها بعاطفة التّوسُّل…، و هو الكلام الذي إن حاولنا منحه عمقا شعبيا عربيا، فهو يشبه مشهدا من الأفلام المصرية في الأحياء الشعبية زمن الفتوات، كأنه رجل مغلوب على أمره يقول و :”لحم كتافنا من خيركم يا كبير… أنا من إيدك دي لإيدك دي… بس أنت ترضى علينا يا باشا… و ربنا كلنا بتاعك”.
ثم أعقبها بطلبه المباشر من روسيا مساعدته كما فعلت في مجلس الأمن حتى يتمكن من الدخول إلى مجموعة “البريكس”، و قال أن هذه الرغبة هي للهروب من منطقة الدولار و الأورو، و هنا يكون الرئيس “تبون” قد وقع في المحظور و أحرق كل سفنه الاقتصادية و علاقاته مع أوروبا و أمريكا، رغم أن عائدات الجزائر كلها من بيع الغاز لأوروبا يؤدى عنها بالأورو…، و أي محاولة لفك ارتباط العملة الجزائرية بالدولار و الأورو سيزيد متاعب الاقتصاد الجزائري، و دول “البريكس” كلها لا تزال تبحر في الأسواق الاقتصادية مستعينة بالدولار و الأورو، بما فيها الصين و البرازيل و جنوب إفريقيا، باستثناء روسيا التي حُضِرت من نظام سويفت المالي الدولي.
سنترك التفاصيل الاقتصادية إلى المقال القادم، حتى نحدثك أيها القارئ عن التنازلات التي قدمتها الجزائر لـ “بوتين” من أجل الانضمام إلى “البريكس”، و التي لا يمتلك الاقتصاد الجزائري شروط العضوية فيها، و نكتفي بقراءة خطاب “تبون” سياسيا، و نقول أن هذا الرجل يكرر خطأ كل من “صدام حسين” و “معمر القدافي”، اللذان سعيا إلى الاستقلال عن الدولار الأمريكي فحصلت الفوضى في بلدانهم، و اضطروا لمواجهة العالم و ليس أمريكا؛ لأن من يدير العالم حاليا هو البنك الدولي و الشركات القوية، و محاولة الاستقلال عن نظامهم المالي سيكون بمثابة إعلان حرب عليهم، و الجزائر ليست روسيا و لا الصين كي تصمد في وجه هؤلاء، و قريبا سنرى تكالب المنظمات الحقوقية على الجزائر، و قد نشهد دعما فرنسيا رسميا لانفصال اقليمي لقبايل و الأزواد…، و لهذا قلنا في عنوان المقال أن “تبون” قد يكون “غورباتشوف” الجزائر و قد يكون مخططه الذي لا يعلمه هو أيضا…، هو تقسيم هذه البلاد و بث الفوضى فيها.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك
تنويه: نخبركم أننا أنشأنا قناة على اليوتوب (SAHRAWIKILEAKS MEDIA)، لذلك نرجو منكم الدعم بالاشتراك في القناة