بـقـلـم : بن بطوش
يقول “مصطفى محمود” الكاتب و الفيلسوف و الطبيب المصري الكبير: “أن مأساة الإنسان أنه لا يوجد توازن بين نفسه وجسمه، فالحادثة التي تقطع ساقه لا تقطع رغبته في الجري، والجراحة التي تستأصل غدته التناسلية لا تستأصل رغبته الجنسية، وحينما يضعف بصره لا تضعف رغبته في الرؤية، وعندما يضعف بدنه لا تموت شهوته وإنما العكس تسقط الأسنان وتزداد الرغبة في المضغ وتبدأ المهزلة”، و هذه عين المهانة التي وضع فيها النظام الجزائري وطنا بأكمله، فعلى الرغم من كل الخيانات و الحوادث التي كشفت له أن الغرب أمة لا تأتمن، و لا يجب محاباتها و أن مكر الأوروبيين قطّع أوصال قضيتنا الصحراوية، و أن الأصل في المعاملة معهم هو تقليد الرباط بلي ذراع دول جنوب أوروبا، و ليس الإغداق عليها من خيرات البلاد، و تلبية جشعهم، و فتح خزائن الوطن لينهشوا منها…، كان القياس أن يتعلم النظام الجزائري من الخيانة الإسبانية، و قبلها الخيانة الألمانية، و قبلهما الخيانة الأمريكية و الفرنسية…، و أن يستثمر قصر المرادية فائض خيرات الطفرة النفطية و الغازية في رفاهية الوطن و أبنائه لتحويل البلاد إلى جنة، و منافسة دولة الخليج في الإنجازات، و خلق اقتصاد قوي يجنب الجزائر و أهلها محن المستقبل القريب و يساهم في تقوية مشروعنا الوطني… !!
كان على “عبد المجيد تبون” أن يتأمل بعمق وقفة رئيس الحكومة الإسباني للمرة الثانية أمام نواب البرلمان الإسباني في جلسة مسائلة بعد زيارته إلى الرباط، و كيف صد النواب و أسئلتهم الحارقة و المستفزة و التي تستقصي عن تفاصيل الاتفاق و ما جرى في جلسته التي دامت نصف ساعة مع ملك المغرب، و مثلما فعل في الجلسة الأولى و واجه النواب الأسبان بالدفاع عن موقفه من النزاع حول الصحراء الغربية و قراره دعم الرباط في مقترحها للحكم الذاتي و السيطرة على هذا الجزء من العالم و كأنه يقوم بعمل مقدس، حيث عاد هذه المرة ليفعل بندا من دستور المملكة الإيبيرية من زمن الجنرال “فرانكو”، و يشهر في وجه النواب قراره بجعل تلك المحادثات بالرباط و نتائجها من أسرار الدولة الإسبانية، كي ينهي الجدال الذي دام حوالي الثلاثة أسابيع، و يغلق باب التأويل أمام الأحزاب، و يدخل النظام الجزائري في حيرة كبيرة، و هو الذي قدم الغاز في صفقة شبه مجانية إلى الحكومة الإسبانية كي يضمن مواقفها، و حتى لا تزيغ عن سكة دعم الشعب الصحراوي…
رغم الخيانات الغربية يبدو أن الرئيس الجزائري لازال متشبثا بدول العالم القديم، و قرر المراهنة على روما و إخراج ما تبقى له من بيض في السلة الإسبانية ليضعه في السلة الإيطالية لاستفزاز مدريد، و هي المراهنة التي ظننا أن كل الخير سيأتي منها، و أن الحليف الجزائري قد يكون استدعى رئيس الوزراء الإيطالي لأمرين؛ الأول أنه سيستغل الحرب الأوكرانية لينعش اقتصاده و يرفع من صبيب الغاز المتدفق إلى قلب أوروبا لمنافسة الغاز الروسي، و لتعويض خسائر الجزائر من وقف الأنبوب المغاربي و الاستفادة بالتالي من فارق الثمن و تعويض خسائر الغاز شبه المجاني الذي يتدفق إلى إسبانيا، و الثاني أن يضغط على الحكومة الإيطالية باستخدام ورقة شراكات الطاقة، لانتزاع أول اعتراف من دولة قوية بالدولة الصحراوية، و إقامة سفارة لدولة إيطاليا بالمخيمات أو فتح سفارة للدولة الصحراوية بروما…، غير أن ما جرى تداوله في الإعلاميين الإيطالي و الروسي أحبطنا كرأي عام صحراوي من جهة، و زاد في إحساسنا بالغبن غيرة على ثروات البلاد التي تأوينا، و لا نريد لشعبها الكريم أن ينقم على قضيتنا و يعتبرها مفسدة لكل خير جزائري و تبديدا لمقدرات البلاد.
فالإعلام الروسي أعلن أن النظام الجزائري و منذ زيارة “بلينكن” و هو في تواصل مستمر مع السفارة الروسية، و أن قصر المرادية قدم ضمانات إلى موسكو بأنه لن يستجيب لمطالب تعويض الغاز الروسي، و أن الإنتاج الجزائري من الغاز – بكل حال- لا يمكنه تعويض الغاز الروسي، و أضافت الصحف الروسية بأن الجزائر أبلغت السفير الروسي بأن حصة الجزائر من سوق الطاقة الأوروبي لن تتغير و ستضل نفسها 11%، و أن حصة روسيا من السوق الإيطالية ستضل 45% مقابل 30% للجزائر، و أن الغاز الجزائري سيكون متاحا أمام الإيطاليين في وضعيتين؛ أولهما لتأمين حصص إضافية في حالة ارتفاع الطلب الصناعي مستقبلا عطفا على نسبة النمو القياسية للاقتصاد الإيطالي ما بعد الوباء، ثم في حالة فرض المنتظم الدولي على روسيا عقوبات تشمل قطع تزويد أوروبا بالغاز و أن الحقوق الجزائرية تخص إيطاليا فقط (رغم أن هذا الأمر يبدو حتى الآن مستبعدا)، و أجمع الإعلام الروسي بأن موسكو ليست في حاجة إلى ضمانات جزائرية.
غير أن الإعلام الإيطالي كان له قراءة أخرى و معطيات مختلفة عما سربه الإعلام الروسي، و قالت الجرائد المقربة من الحكومة الإيطالية أن رئيس الحكومة الإيطالي كان أمامه ثلاثة خيارات للبحث عن بدائل للغاز الروسي، الذي يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا تحاولان قدر المستطاع وقف وصوله إلى أوروبا، و هذه البدائل تتعلق بالغاز الأذربيجاني و الغاز الليبي و الغاز القطري-الإيراني، و أن الإيطاليين كانوا يستبعدون الجزائر لعلمهم بعدم قدرات شركة “سونطراك” على رفع سقف الإنتاج لتغطية كل الخصاص الإيطالي، في حال وقف الغاز الروسي بسبب العقوبات أو بسبب عجز أوروبا عن الأداء بالروبل،.
لكن اللقاءات التي عقدها مدير مجموعة “سونطراك” مع مدير المجموعة الغازية الإيطالية “إيني”، دفعت قصر المرادية لعرض خدمة تفضيلية مع زيادة حصة إيطاليا عبر أنبوب “ترانس ميد” و بأثمنة أقل بكثير مما يوجد في السوق الدولية، و أن الإمداد الإضافي لن يتم توفيره بمضاعفة الإنتاج، بل سيتم خصمه من حصة السوق الداخلية في الجزائر لصالح التصدير، حيث تقول المعطيات أن السوق الجزائرية لوحدها تستهلك حوالي 48 مليار متر مكعب سنويا، و أن الحكومة الجزائرية تخطط لتقليص هذه الحصة إلى 15 مليار متر مكعب، و توجيه 20 مليار متر مكعب إلى السوق الإيطالية لرفع عائدات البلاد، و أن المواطن الجزائري عليه أن يتحمل تبعات القرار، و أن يتفهم ما تقوم به الدولة الجزائرية من تضحيات لصالح الشعب الإيطالي الشقيق، الذي لا يمكن أن يمضي ما تبقى من أشهر فصل الشتاء و فصل الربيع تحت رحمة البرد.
و أضافت الصحف الإيطالية أن الجزائر لن تقلص حصة الإسبان بسبب بنود العقد و خوفا من تفعيل العقوبات، و أن إيطاليا قدمت ضمانات إلى بروكسيل بأن مفاوضاتها مع الجزائر لن تكون على حساب المصالح الإسبانية، و كلنا نعلم أن العلاقات بين دول الإتحاد الأوروبي تنظمها بروكسيل، التي لها حق إنزال العقوبات على الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي إذا ما هي تسببت في الأضرار بمصالح الدول الأعضاء.
قد تتحصل الجزائر على عائدات مالية جيدة من الصفقة، و قد تكون أمام فرصة ذهبية لإصلاح أعطاب الخطأ الإستراتيجي مع الإسبان، و تعويض الغاز الذي يصل إلى خزانات و صهاريج مدريد بشكل شبه مجاني، لكن و كما يبدو من خلال الإعلام الإيطالي، فإن روما لم تقدم أي موقف داعم للدولة الصحراوية أو للجزائرية في مواجهة الرباط و الغدر المدريدي، لنكون أمام سؤال جدوى هذه الشراكات الطاقية غير العادلة و المهينة مع الأوروبيين، الذين لا يزالون يرون في الجزائر تلك الدولة التي يسهل السيطرة على مواردها الطبيعة دون تقديم أي تنازلات أو تفضيلات؟
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك