بـقـلـم : بن بطوش
بعد إهدار نجم الكرة الإيطالية “روبيرتو باجيو” ضربة الجزاء خلال نهائي كأس العالم 1994 ضد البرازيل، و ضياع الكأس الذهبية الثمينة، لم يتقبل الإيطاليون تلك الخسارة و لم يغفروا أبدا لـ”باجيو” – رغم تاريخه الكروي-، فأرادوا أن يلحقوا به لعنة لا يمكن مسحها، حيث كتبوا على جدران “الفاتيكان” و من كل الجهات: “سيغفر الرب للجميع إلا لباجيو”… و لا زالت تلك اللعنة تطارد الرجل إلى أن أصبحت مثلا أوروبيا يقول: “مات سقراط مسموما و مات نيتشه مجنونا و مات باجيو واقفا”؛ في إشارة إلى حالة الجمود التي انتابت النجم الإيطالي بعد إهداره ضربة الجزاء، و كأنه منذ تلك اللحظة يعيش بدون روح…
و إذا كان “باجيو” يعاني داخل إيطاليا من لعنة إهدار تلك الكرة، فالأخ القائد “ابراهيم غالي” يكاد يكون أكثر لعنة منه، بعدما شاهدناه يلقي علينا خطابا يائسا و يقرأ تلك الورقة التي خطت له في دهاليز الثكنات الجزائرية، و كأن الرجل لم يعد يهتم بإهدار ماء وجه الشعب الصحراوي في خطاب فكاهي-عاطفي، دفعنا جميعا كرأي عام صحراوي لضرب الأخماس في الأسداس…، بعدما ختم كلامه و أعاد طي تلك الورقة و وضعها في درج مكتبه، و أشعرنا أنه لم يقل شيئا.
و قد كان القياس أن يوجه الأخ القائد خطابا قويا إلى الشعب الصحراوي، يقدم لنا فيه حصيلة مرحلة حكمه، و حصيلة حربه على جيش الاحتلال المغربي، و أن يلقي علينا قولا ثقيلا و يدعونا لتقبل الواقع و إحصائيات الحرب التي تدور بين جيشنا الشعبي و الشيطان “يعني”، و أن يواجهنا بخطته التي سيتبناها من أجل منع تمديد الرباط للجدار الرملي الذي يبتلع في كل لحظة عشرات الكيلومترات من الأراضي الصحراوية المحرمة على أهلها…. كان الأمل في ذلك الخطاب أن يعلن من خلاله الأخ القائد الموقف الرسمي الجزائري و الصحراوي من الحرب التي تخوضها روسيا ضد أوكرانيا، و أن يبلغنا تدابير فخامته لمواجهة الأزمات التي ستطل سحبها علينا قريبا، و كيف سيجنب الشعب الصحراوي مجاعة محتملة، بسبب غلاء المواد الأولية و إمكانية وقف الإتحاد الأوروبي للمساعدات الموجهة لنا؟ و كيف سيتدبر أزمة العطش التي ستجتاح المخيمات في صيف يبدو أنه سيكون حارقا…،؟ كان على فخامته أن يكشف لنا حقيقة عجز الأمم المتحدة أمام تلك الحرب التي تدور رحاها بالبحر الأسود، و أن يُسِرَّ إلينا بأن الأمم المتحدة لا أمل فيها لحل أزمتنا و أن المستقبل مظلم أمامنا.
غير أن الأخ القائد فضل أن يكون خطابه عاطفيا-أجوف، مليئا بالذكريات الجميلة و كأنه يفر من الواقع الذي صنعه لنا، و المحزن أكثر أنه ترك أهوال ما يجري حولنا و بيننا، و تغافل عن أحداث مخيم السمارة التي روعت الأجانب ممن تم استدعاؤهم لمشاركتنا الأفراح قبل أن تروع اللاجئين الصحراويين … و فضل أن يشكر الجزائر و جنوب إفريقيا، عملا بالحديث الذي يقول: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”، ثم عرج على ملف “لحبيب أغريش” و أراد أن يحوله إلى قضية رأي عام رغم تبرأ أسرته علانية و أمام وسائل الإعلام من تدخل أموال و أصابع البيت الأصفر، و لم ينسى الأخ القائد مذللته و أيقونة البغاء النضالي “سلطانة خيا”، أو “حسنة ملص” لبقضية الصحراوية، التي لا تتوقف عن بيع جسدها لوسائل الإعلام مقابل منافع في مدريد… لقد ذكر لنا في خطابه كل شيء لا نهتم به.
لكن المهين في خطابه الموجه إلى الشعب في ذكرى لا يمكن أن نقبل فيها بالذل، لأنها آخر ما تبقى لنا من مجد نتشبث به، هو توسله و استجداءه الإتحاد الإفريقي و أشقائنا في الجامعة العربية، أحسسنا حين نطق تلك الكلمات أن نبرة صوته انخفضت و كأنه يطلب المستحيل… و يدرك أن ذلك التعاطف مستحيل الحدوث، و يعلم أيضا أن الطريقة التي يتم بها توجيه الطلب مذلة جدا، لأن التعاطف لا يمكن أن يطلب من الأشقاء، كما أن المقام الذي كان يلقي منه الأخ القائد ذلك الخطاب، لا يجب فيه الإحساس بالضعف حتى لا تحبط الجماهير، حتى و أن فرض عليه الاستجداء…، و وجب على الأخ القائد المرور عبره للحصول على ما يريده، كان لازما أن يحصل بعيدا عن ذلك المقام، في خطاب ثنائي بين القادة و ليس بين القائد و الشعب.
لكن المتابع للخطاب بعين الإستراتيجيين، يمكنه أن يلتقط الرسائل التي خرجت من نبرة الأخ القائد المنكسرة و اليائسة، و استجدائه عطف الإخوة العرب و قادة دول القارة الحزينة، ذلك أن الأخ القائد أراد إبلاغنا أنه لا يمتلك خطة للأيام و الأسابيع و الشهور القادمة…، و أن الأزمة الروسية الأوكرانية بين أكبر مصدر للغاز في العالم و أكبر مصدر للقمح في العالم، ستدفع أوروبا لوضع قراءات أكثر تعقيدا، و ستضطر دولها إلى تخزين ما تستطيعه من المؤن و لن تمنحنا أي هبات أو مساعدات…
و هنا نذكر بأزمة أجهزة التنفس و المواد الطبية و ما حصل من قرصنة خلال سنتي 2019-2020 بين دول العالم، و هنا نحن أمام أزمة أخرى أكثر بطشا، فإما أن يبادر العرب لنجدة الشعب الصحراوي، و هذا حسب ما يبدو أساس الرحلات المكوكية للدبلوماسي المشخراتي، “لعمامرة”، أو أن أهالينا بأرض اللجوء سيعيشون في الصيف القادم واحدة من أسوء أزمات الغذاء منذ تأسيس الدولة الصحراوية، و ستحل بهم الكارثة و سيتحولون إلى مواد إخبارية بأجساد منهكة و نحيفة…، و هذا ما كنا دوما نشير إليه على هذا الموقع الحر و نخبر به و ننتقد القيادة لأجله، بأنها لم تتمكن خلال نصف قرن من تأسيس اقتصاد يسمح لها بتدبر الأزمات المتلاحقة، و تجنيبنا ذل و مهانة استجداء هذا العالم القاسي و غير الإنساني.
و الإشارة الثانية التي تم التقاطها، تخص توسل الأخ القائد في خطابه لدول إفريقيا التي لا يمكنها أن تنفعنا بشيء، غير دعم الدولة الصحراوية إلى أن تنتهي مرحلة رئاسة دولة السينغال لهذا الإتحاد الحزين، لأن حسب التسريبات المتوفرة، فالرباط تمتلك بين يديها النصاب الكافي لتجميد عضوية الدولة الصحراوية، و هذا الكابوس سيبقى يطاردنا كلما وصل صديق للرباط إلى قمة هرم هذا الإتحاد.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك