Sahra Wikileaks Center
الصحراء ويكليكس يعمل على النهوض بالفعل الحقوقي بالمنطقة وذلك بإزالة كل شائبة عنه

حسابات الربح و الخسارة في قضية قطع الجزائر لأنبوب الغاز المغاربي

بـقـلـم : بن بطوش

         يقول الفنان المصري “خالد النبوي” أنه في صغره كان لديه حذاء محبب إلى قلبه كثيرا، لكن مع  الوقت ضاق على قدميه الصغيرتين، و أحدث جروحا و ندوبا في رجليه و تسبب له في وجع كبير، فسألته جدته أن يتخلى عنه و تشتري له أخر يناسب مقاس قدميه…، لكن “خالد” رفض و أصر على الاستمرار  في انتعاله لأشهر إضافية، و  كانت نتيجة  هذا التشبث الصبياني بالحذاء أن أصيب باحتقان خطير في جلد قدميه، جعله يعرج بهما لأيام، ثم يضيف أنه نادى جدته و أخبرها بما حصل له، و أنه كره الحذاء الأحب إليه بعدما أوجع قدماه و طلب منها أن تشتري له حذاءا غيره، فقالت له جدته حكمة بالعامية المصرية: “في كل مرة الدنيا تخيرك بين اللي تحبو و اللي يريحك…، اختار دوما اللي يريحك، لأن اللي بتحبو لو مش مريحك… حتكرهو”

         بنفس المنطق قررت الرباط التعامل مع الغاز الجزائري المجاني الذي كان يتدفق عبر ترابها إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث رفض المغرب الدخول في أي مفاوضات مع الجزائر لتمديد العقد لسنوات أخرى و الاستمرار في الاستفادة من حق العبور، حتى لا ترهن مستقبلها الطاقي بدولة ترى في تلك الحصة ورقة ضغط، و لكي يحفزها هذا القطع على تسريع مخططها في التحول الطاقي الأخضر، و بالتالي تتجنب الرباط إلى الانجرار إلى مفاوضات مباشرة لأجل تمديد العقد و فرض شروط مجحفة…، بتقليص الحصة من %7 إلى 5% و أداء مقابل حاجياتها التي تفوق الحصة المسموح لها به، بثمن السوق الدولي، و الالتزام بعدم دعم حركة “الماك” التي تطالب حكومتها من فرنسا بالانفصال عن الجزائر…، و الاعتذار للجزائر عن المواقف السابقة… التي من ضمنها نتائج حرب الرمال و قتل بعض الإرهابيين الجزائريين لسيّاح في مدينة مراكش داخل فنقد “أطلس أسني”…، و ترى الرباط أنها تفضل شراء الغاز من السوق الدولية بأسعار مكلفة على القبول بالشروط الجزائرية.

         لكن قبل الخوض في جرد حسابات الربح و الخسارة لدى الأطراف الأربعة: مدريد و الرباط و الجزائر و لشبونة، وجب منا التعريج على أرقام الأنبوب الغازي الموقوف عن العمل و شرح الدور الذي كان يلعبه و نظام توزيع الحصص، حيث كان ينقل كحد أقصى 13 مليار متر مكعب سنويا، و كانت حصة المغرب منه هي 7% بقيمة سوقية تتراوح بين 50 مليون دولار كحد أدنى و 150 مليون دولار كحد أعلى، حسب تقلبات أسعار السوق الدولية، و أن الغاز المتدفق عبر الأنبوب كان يغطي حاجيات إسبانيا بنسبة 70% فيما يتم تحويل جزء منه لتلبية الطلب الداخلي لدولة البرتغال، دون أن نحصل على  النسبة المأوية من التدفق التي تصل إلى مولدات و منازل لشبونة… و تضيف المصادر أن الأنبوب الجديد الذي تم إنشائه مباشرة بين إسبانيا و الجزائر، كان الهدف منه توصيل الغاز الجزائري بكميات أكبر إلى فرنسا و البرتغال و غلق الطريق أمام الغاز الروسي بشبه جزيرة إيبيريا… لكن ما الذي حدث ليتغير برنامج الحليف الجزائري فجأة، ليتم إغلاق الأنبوب المغاربي و الإبقاء على الأنبوب المباشر الذي لا يزال تحت الاختبار و يجري تشغيله بطاقته القصوى، البالغة 8 مليارات لتر مكعب سنويا…فقط؟

         هذا القرار الجزائري لم يتخذ بسبب الخلاف بين الجزائر و الرباط، و الذي تريد الجزائر تسويقه على أنه عين المشكلة، و أن المغرب يحصل على الغاز المجاني و يستخدمه في ضرب المصالح الإستراتيجية للنظام الجزائري، بل مرتبط أيضا بالاحتياط الجزائري من الغاز و القدرة الإنتاجية لشركة “سوناطراك” التي تقول الدراسات أنها ستنخفض انتاجها في سنة 2025 إلى النصف، ثم الاتفاق الروسي الجزائري الذي بموجبه سمحت موسكو للجزائر باستخدام الفيتو خلال يوم الأربعاء الماضي، و الذي ينص على خفض الجزائر لحصصها من الغاز المورد لغرب أوروبا من أجل تحقيق الأهداف الإستراتيجية الروسية المتعلقة برفع موسكو لحجم إنتاجها و تلبيتها لـ 90% من حاجيات الدول الأوروبية، عوض التغطية الحالية التي تشمل فقط 40%، و بالتالي تقاسم الجزائر و النرويج نسبة 10% المتبقية، على أن تسمح روسيا للجزائر بالدخول إلى  أسواق أخرى في آسيا و أمريكا اللاتينية.

         و أخيرا الجزء المؤلم من الأسباب هو إحساس النظام الجزائري بأنه تورط مع مدريد في صفقة خاسرة و كارثية بكل المقاييس، و شعور قصر المرادية أن كل الغاز الذي سيتدفق عبر الأنبوبين سيكون مجرد نزيف، لأن الإسبان و المغاربة و البرتغاليين سيحصلون عليه مقابل ثمن رمزي أو شبه مجاني…، عطفا على أثمنة السوق الدولية، و هذا من مخلفات صفقة “بن بطوش”، حين أدخلت إسبانيا الزعيم “إبراهيم غالي” للعلاج سرا مقابل الحصول على منافع و تنازلات طاقية من الحليف الجزائري، و اليوم تحاول الجزائر التذرع بالخلاف مع العدو المغربي و قطع العلاقات لحرمان الأسبان و خفض صبيب الغاز المجاني، و الذي كان مقرر أن يصل تدفقه لـ22مليار متر مكعب في حدود سنة 2024، مما يعني أن مدريد و لشبونة كانا سيحصلان على نصف الإنتاج الغازي الجزائري دون مقابل و سيعيدون بيعه في السوق الطاقية و الحصول على فارق الربح بسبب ارتفاع الأسعار.

        تراجع الجزائر عن استخدام الأنبوبين جعل الإسبان يغضبون و أدخل قصر المرادية في مواجهة حتى الآن صامتة مع كل أوروبا، حيث نشرت جريدة “le journal du dimanche” الفرنسية مقالا مطولا تحت عنوان: “لماذا تقلد الجزائر روسيا في حرب الغاز؟”، و قالت أن قرار وقف الأنبوب المغاربي ليس معاقبا للجار المغربي، بل هو محاولة لابتزاز و إحراج الأوروبيين، و نقلت عن مسؤولين من أوروبا رفضهم هذا الابتزاز مع اقتراب فصل الشتاء، و وصفو القرار بمحاولة جزائرية للتقوقع و اللجوء إلى الإرث القديم و الخلافات المنسية، من أجل تصريف أزماتها الداخلية التي عجزت عن تدبيرها، مثلما عجزت عن بناء جو من الثقة بين النظام و المواطن الجزائري الذي لم يصوت على الرئيس و الدستور و يفر بالمئات عبر قوارب الموت إلى أوروبا، و لا زال هذا الشعب يحلم و يطالب بدولة مدنية…، و هنا نصل إلى الشق المخيف من فلسفة الوجع و كسر الأصابع بالتساؤل عن مدى تأثير هذه الأزمة على القضية الصحراوية التي لم تشفى بعد من قرار مجلس الأمن الأخير…؟

         حسب الظاهر من الأحداث فإن أزمة أنبوب الغاز المغاربي الموقوف عن العمل تسبب في خلاف إسباني – جزائري عميق، و جعل مدريد تلجأ إلى دولة قطر التي فازت بصفقة توريد الغاز و تأمين نصف حاجيات الأسبان و البرتغال، و ستحصل الرباط أيضا و بسعر تفضيلي على جزء من حاجياتها عبر المورد القطري الذي حصل على سوق طاقية دون مجهود، و الأخطر أن وصول الغاز القطري إلى شبه الجزيرة الإيبيرية و شمال إفريقيا يعني أن الإسبان لم يعد لهم مخاوف من قطع الجزائر لأنبوبها الثاني في حالة الخلاف، و هذا هو المرجح أن تشتد الأزمة بين مدريد و قصر المرادية لأن حكومة “سانشيز” تسير بثبات نحو تكرار التجربة الأمريكية، و الاعتراف بسيادة الرباط على الصحراء الغربية، من أجل تجاوز الخلاف و إعادة الثقة من جهة، و أيضا من أجل رد الصفعة للنظام الجزائري من جهة أخرى…، و هذه هدية جديدة تقدمها الحليفة الجزائر للمحتل المغربي لم يكن ليحلم بها !! 

 

 

لإبداء ارائكم و مقترحاتكم

[email protected]

 

 

كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد