بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
في واحدة من الصور المحزنة و الجارحة، وصلت قافلة التضامن التي تحمل المساعدات الجزائرية إلى المخيمات، و استبشر الأهالي في أرض اللجوء و قالوا أنها أولى قطرات الغيث، فاجتهدوا رجما بالغيب و خمنوا لعلهم يطلعون عما تحمله في صندوق العجائب، و كتب أحد المدونين الصحراويين أنه بقي بضع ساعات و تصل قافلة الأمل التي قد يكون بها مصل التطعيم ضد الوباء اللعين، و آخرون قالوا أن بها المزيد من الغذاء و الدواء، و فيما توقع آخرون و أنها تحمل خياما و أغطية و ألبسة و مفروشات أكثر مقاومة – من تلك المتوفرة – لزمهرير شهر يناير…، و بعد الكشف عما تحتويه الصناديق، حلت الفاجعة التي وثقتها عدسات الهواتف و الكاميرات، و تحولت إلى مستملحة تحكي في عصر العبث القيادي الصحراوي، لقد كانت الشاحنات شبه فارغة إلا من بعض الأعلام و الشعارات و علب الصابون…، تذكرت بعدها يوم قال سيناتور روما لمجلس الشيوخ “الشعب يريد الخبز و الألعاب”، و ليتهم أحضروا لنا الخبز و الألعاب… !!!
يحدث هذا في واحدة من أقدم المخيمات و أكثرها غرابة، مخيمات أراد لها الرواد أن تكون نواة دولة صحراوية ستزهر وطنا بالصحراء الغربية، لكن الخلف أضاع العهد، و وضع أسهمها رهن إشارة المشترين و الطامعين و أصحاب الأجندات و كل من بحث عن موقع فتنة في شمال القارة الحزينة…، فورطوا الشعب في خيارات لا تمثلنا و لا عهد لنا بها، و بعد كل هذا الزمن لم نجد من الحصيلة غير حصاد الهشيم، فيما قيادتنا تلمع هذه النتيجة و تسوقها لنا كنصر غريب، و تقول في بياناتها المستهلكة، أن المحتل يعيش عزلة دولية، و هو الذي حشد في مؤتمر رقمي افتراضي، أربعين دولة ضمنهم الولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا و دول إفريقية و أخرى عربية… فهل نستطيع تقليد المحتل على الأقل في مؤتمر افتراضي ينظم إليه نصف العدد فقط.
ما قام به وزير خارجية دولة الاحتلال “ناصر بوريطة”، بجمعه 40 دولة من القارات الخمس للمعمور، جعل قصر المرادية يرسل وزير خارجيته إلى بريتوريا كي يبدأ في حشد الدعم لقضيتنا، غير أن السلوك الدبلوماسي للحليف لا يزال غير مبرر، لأن الذي كان عليه أن يطير إلى العواصم الإفريقية، هو الأخ القائد “إبراهيم غالي” صاحب بيانات الأقصاف، أو أن يرسل من ينوب عليه مثل وزير خارجيتنا، الذي يعاني العطالة و لم ينجح منذ بدأ مسيرته على رأس الدبلوماسية الصحراوية حتى في جمع المساعدات للشعب الصحراوي من الدول المانحة و التي بدأت تكف مساعداتها عن قضيتنا و شعبنا الصحراوي بأرض اللجوء.
خروج “بوقادوم” على وجه السرعة إلى جنوب إفريقيا، لم يكن كما روج له الإعلام الصحراوي و حتى الجزائري، للتباحث من أجل الضغط على الإتحاد الإفريقي و الأمم المتحدة و تشكيل جبهة تعيد ملف القضية إلى الواجهة، بل لأن خبرا تسرب من كواليس الدبلوماسية الدولية يفيد بأن بريطانيا هي الأخرى قريبة جدا من الاعتراف بسيادة الرباط على الصحراء الغربية، و الأكثر أن فرنسا قد توصلت إلى اتفاق مع المحتل من أجل فتح قنصلية لها بإحدى مدن الصحراء الغربية، بعد أن وجه المحتل خطابا طالب فيه دول أوروبية سماها الصديقة، بتوضيح موقفها و الكشف عن نواياها الحقيقية على غرار الموقف الأمريكي الذي خرج من الغموض حسب الدبلوماسية المغربية و أصبح واضحا.
لكن المتتبعين للشأن الدبلوماسي الجزائري و لملف النزاع بيننا و بين المحتل، يؤاخذ على “صبري بوقادوم” عدم توجهه مباشرة إلى العاصمتين لندن و إلى باريس لانتزاع موقف واضح، و يعتبرون بحث “بوقادوم” عن وساطة جوهنزبورغ لتغيير قرار التاج البريطاني خطأ فني لدبلوماسي من الصف الأمامي، لأنه يعرف بأن جنوب إفريقيا لم تعد بذلك التأثير التقليدي على القرار السياسي البريطاني، و يستدلون على ذلك بأن بريطانيا بعد تحقيقها “البريكسيت”، أول اتفاق للتجارة الحرة وقعته بمستوى إستراتيجي – متقدم كان مع الرباط، و الثاني كان مع الأتراك، أي أنها لا ترى بين دول إفريقيا من قوة اقتصادية صاعدة و تمتلك الإضافة، و لها مستقبل في المدى المنظور غير دولة الاحتلال، و هي لم تسارع للتوقيع مع جنوب إفريقيا و لا مع مصر أو الجزائر أو نيجيريا، بمعنى أنها تساوي في القيمة بين اقتصاد المحتل و اقتصاد الأتراك، و هذا يستدعي التدبر، و التأثير على قرار لندن لن يكون على كل حال من جنوب إفريقيا أو حتى من استراليا.
ليبقى السؤال، إذا كان علماء الدبلوماسية في الجزائر يعلمون بهذه المعطيات فلماذا عرج وزير خارجية قصر المرادية على جنوب إفريقيا…؟، السؤال ليس ما روج له و سرب من طرف قادتنا على الصفحات الصفراء، بل لأن المحتل فعليا تمكن من الحصول على النصاب الذي يسمح له بطرد الدولة الصحراوية من الإتحاد الإفريقي، و هي النكسة التي إن حصلت سوف لن تبقي و لن تذر، و لن تكون لنا قضية بعدها، لأن الوعاء الدولي الأخير الذي يحتضننا هو الإتحاد الإفريقي، و المحتل حاربنا على كل الأصعدة و نجح في محاصرة القضية أمميا و أوروبيا و آسيويا و أمريكيا، و إن كان “بوقادوم” يسارع الزمن ليدفع الدول الإفريقية التي لا تزال تؤمن بقضيتنا لإصدار بيان إدانة للمحتل، و يوقف مشروع التصويت على تجميد عضوية الدولة الصحراوية، فعليه أن يعلم بأنه أصبح الوحيد الذي يدافع عن القضية الصحراوية و يحملها في حقيبته بين العواصم، لأن الدبلوماسيين الصحراويين و النشطاء و المناضلين منذ نكسة الكركارت لم نرى لهم أثرا، و لم نسمع لهم صوتا، و لم نجد لهم تدوينة…، بسبب عدم الترحيب بهم في العواصم الدولية.
حرب كسر الإرادات بين الرباط و الجزائر جعلت الحليف ينتزع ملف القضية من أيدي قيادتنا لإدراكه بعجزها الكلي، لكن هذا لا يشفع لقيادتنا بأن تركن للكسل الدبلوماسي و أن تتوقف عن المحاولة، و إن كان قادتنا لا يجدون الترحيب بالعواصم التي ينزلون بها، فما عليهم غير التحمل و المحاولة، و لأجل هذا اليوم كنا نقول فيما فات من خطابنا على هذا المنبر الحر، أن القيادة وجب عليها أن تجدد نخبها و أن تجدد الدماء في دماغها، و اليوم بعدما تخلى الأصدقاء عن قضيتنا إثر أخطاء فردية من البيت الأصفر، لم نجد من الحلول غير “بوقادوم” الذي يصارع وحيدا آلة دبلوماسية للاحتلال لم نرى لها مثيل.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك