بـقـلـم : بن بطوش
يبدو أن مشروع ولاية الإمام الإيراني بلغ نهايته، و أنه يعيش حصارا غير مسبوق، فالثورة الشعبية الإيرانية تبتلع أطراف البلاد و تسقط المؤسسات تباعا، و القيادات الإيرانية تفر في طائرات خاصة إلى بريطانيا، و رجال الأمن في المدن و الولايات الإيرانية لجئوا لاستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين الغاضبين، و “إيلون ماسك” قرر عدم حضر الحسابات التي تروج لفظاعات النظام الإيراني ضد المتظاهرين، و ألمانيا إلى جانب أمريكا و فرنسا يدفعون باتجاه إصدار قرار أممي يصنف الحرس الثوري الإيراني في خانة التنظيمات الإرهابية، و “حزب الله” أصبح ألطف حركة إسلامية، و زعيمه “حسن نصر الله” يسير بتأني نحو الاعتراف بدولة إسرائيل بعد ترسيم الحدود معها و مهادنتها و مبادلتها عبارات الود و المجاملة، و الجامعة العربية تجتمع في جزائر الشهداء عن بكرتها من أجل دراسة الخطر الإيراني على الوحدة الترابية العربية…
وسط هذه الحمأة التي تحاصر النظام الإيراني جهويا و محليا و دوليا…، تقف الجزائر وحدها منعزلة تحت شمس الاتهامات تدافع عن براءة طهران، و تلمع نوايا أتباع الخميني، و تترافع لأجل التمدد الصفوي-الشيعي، و تحاول تلغيم القمة العربية و الكشف عن مستوى الاختراق الذي حققته إيران داخل النظام الجزائري الذي يتصرف على عكس المنطق العربي الموحد و السليم، ذلك أن الحليف الجزائري و هو يُضَيِّفُ العرب ،كان القياس أن يلتزم بحد أدنى من اللباقة في القضايا الخلافية المحرجة و المؤثرة على الأمن القومي العربي، و التي تعد محط إجماع عربي، حتى لا يترك النظام الجزائري شقوقا أو فواصل قد يستغلها العدو المغربي أو مصر أو أي نظام عربي مشارك في القمة و له نقاط خلافية مع قصر المرادية، و يمرر منها ما سيء به للنظام الجزائري.
فمع وصول المشاركين في الاجتماع التحضيري الوزاري للقمة، سعى جميع الدبلوماسيين العرب لإظهار أن الشعار الجزائري للقمة “لم الشمل” مجرد واجهة تخفي ما يضمره النظام الجزائري من مشاعر اتجاه عدد من الأنظمة و الدول العربية، و يكشف عن النظرة الحقيقية التي يرمق بها العرب نظام الجزائر، و كيف أنهم لا يثقون في نوايا قصر المرادية، حيث لم يستقبل وزير الخارجية الجزائري نظيره المغربي عملا بالأعراف الدبلوماسية و أوكلت المهمة لدبلوماسي موريتاني في حالة شاذة و نادرة، و حتى أخلاقيا لا يمكن لرب البيت أن يتجاهل استقبال ضيفه الذي دخل حرمة منزله مهما كان الخلاف معه، و هذا ما جعل الإعلام العربي يتحامل على وزير الخارجية الجزائري و يصفه بالدبلوماسي عديم المروءة و الحقود، و قالوا بأن الهالة الإعلامية التي سلطت حول وصول وزير خارجية الرباط، أحرجت النظام الجزائري كثيرا، و حولت “بوريطة” إلى نجم فوق العادة بين ضيوف الجزائر.
كان حادث التجاهل الدبلوماسي لوصول وزير خارجية المحتل المغربي مقدمة لأحداث متلاحقة، بعدما تعمدت الدبلوماسية القطرية و الوسائل الإعلامية القوية للدوحة نشر صورة و مقاطع متلفزة لوزير الخارجية الجزائري مع نظيره القطري الذي أخرج قدمه من نعله الجلدي خلال استقبال “رمطال لعمامرة” له، تنقيصا و تحقيرا لهذا الاستقبال، و احتجاجا على المعاملة التي لقيها الوفد المرافق للوزير القطري بالمطار الجزائري…، إذ كان مشهد الإهانة الدبلوماسية القطرية يكفي ليدمر القمة، و قال عدة نشطاء جزائريين أن الوزير القطري تصرف بسبق إصرار و ترصد و تعمد إهانة الوزير الجزائري، و نشر النشطاء الجزائريين صورا لنفس الوزير القطري و هو يجالس نظرائه من أمريكا و بريطانيا و فرنسا و ألمانيا و السويد…، باحترام تام و التزام بقواعد و أخلاقيات الاستقبال الدبلوماسي.
المفاجئة غير المتوقعة كانت من العربية السعودية التي قررت إيفاد نائب وزير الخارجية السعودي، و كنا في مقالنا السابق قد أشرنا إلى أن اعتذار “الأمير بن سلمان” و الخلاف الذي حصل على صيغة البيانات، و الزلة الدبلوماسية الجزائرية بإعلان أسباب الغياب…، جعلت الخلاف الجزائري السعودي يتعمق أكثر بعدما كان محصورا في الشأن الإيراني و تهديداتها للأمن القومي العربي و رفض الجزائر إدانتها أو اتهامها…، ليتطور الأمر إلى خفض العربية السعودية و هي أقوى دولة عربية حاليا تمثيليتها إلى نائب وزير الخارجية، بمعنى أن الرياض لم تعد تهتم لهذه القمة لا من قريب و لا من بعيد، و أنها ترى في الجزائر دولة بدون وزن و بدون قيمة، و أن النظام الجزائري لا يستحق أن تشارك السعودية في أنشطته بأكثر من موظف بوزارة الخارجية السعودية.
مع بداية أشغال الاجتماع التحضيري تفاجئ الجميع و بشكل مذهل بتواجد كرسي وزير الخارجية المصري “سامح شكري” إلى جانب كرسي وزيرة الخارجية الليبية “نجلاء المنقوش”، خصوصا و أن الوزير المصري كان قد انسحب من آخر اجتماع تحضيري بسبب مشكل التمثيلية الليبية، لأن “نجلاء المنقوش” تنتمي لحكومة “الدبيبة” التي انتهت ولايتها، و كان من المنتظر مشاركة ممثل الحكومة المعينة من البرلمان الليبي و التي يرأسها “باشاغا”، ليحتج الوفد المصري على هذا العبث في وضع المقاعد من طرف المنظمين، قبل أن تتدخل رئاسة الجامعة العربية و تطالب الوفد المصري بالتأني و عدم الانسحاب، و أن الأمر لم يكن للاستفزاز بل كان لتهدئة الخواطر و تقريب المواقف، و أن مشكل التمثيلية الليبية سيتم حله خلال أشغال القمة، و أن اجتهاد الدولة المنظمة (الجزائر)” كان عن حسن نية و ليس بحثا عن أي إحراج للطرف المصري.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك