بـقـلـم : بن بطوش
في حديث فيسبوكي مع أحد أفراد الشعب الصحراوي المرابطين بجبهات القتال، أسرَّ لمتابعيه بأن الوضع النفسي داخل المخيمات، و على الأخص داخل الجيش الصحراوي سيء للغاية، و أن هناك إحساس يتعاظم بالخذلان و التخلي و خيانة العهد…، و أن المواطن الصحراوي لا يملك خيارات كثيرة داخل المخيمات، فإما أن يكون منظفا لأحذية “الهنتاتة” و هذه رتبة غير متاحة للجميع، أو بلطجيا مهربا يجيد الترويع و التطاول على المستضعفين و المسحوقين…، أو أن يقبل بأن يكون عسكريا بسيطا ينتظر دوره ليصبح قربانا يقدم على طبق من التضحية للشيطان “يعني” في الأراضي المحرمة،…. دون هذا فهو بين ظفري التهميش و الإذلال، و محض إنسان بلا قيمة يطعمه “الهلال الأحمر الصحراوي” كي يساق في أعياد التصويت إلى الصناديق حيث تنحر الديمقراطية على وقع الزغاريد المستأجرة…
كل هذه الأوصاف تضع على عاتقي هذا المواطن حملا تنوء به الجبال، و تكفي لتسلبه يقينه و إيمانه، و أن هناك صمت في المخيمات عن هذا الوضع النفسي اليائس و حالات الانتحار و الهجرة و الإختفاءات المفاجئة و حالات معقدة من إهمال الأسر…، و ختم يقول أن المواطن الصحراوي لا يمتلك رفاهية الخيار لزيارة طبيب نفسي، لأن البيت الأصفر يرى فيها “دلعا” قد يفسد الشعب الصحراوي الكريم، بل كل ما يستطيعه هذا المواطن هو فتح حساب على الفايسبوك، و حين تسوء حالته يفتح حسابا آخر على تويتر، و هكذا و من غير تخطيط تحصل قيادتنا على جيش من المجانين يدونون في كل اتجاه، فيصيبون مرة الفراغ و أخرى أنفسهم…، و في الغالب يعطبون القضية لأنها الهدف الأقرب و الأسهل… !!
الصورة التي رسمها هذا المقاتل الصحراوي لهول الوضع داخل المخيمات، جعل تهم المؤامرة تبدو وصفا ضعيفة أمام ما يصيب اللاجئين، الذين يتعرضون لكل أنواع التصفية النفسية…، بل أنها لعنة عظيمة حلت على الشعب الصحراوي، و لست أدري كيف ترفع، لأن من يقترب من قضيتنا تلفحه نار تلك اللعنة، ذلك أن سفير روسيا الاتحادية، مهد الفكر الماركسي و اللينيني و البلشفي، و أرض الثورة الحمراء، و قلب المعسكر الشرقي و ركنه القوي، و التي تنتمي إليها قيادتنا إيديولوجيا و سياسيا، سيرا خلف الحليف الجزائري…، و يقودها رئيس قوي برتبة “قيصر”،… هذا السفير تعرض للإقالة و تمت إعادته إلى موسكو عقابا له على منحه لوسائل إعلام جزائرية، تصريحات يؤيد فيها و يدعم حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره و إقامة دولته.
هنا نجد أن الأمر منقسم إلى مشكلتين يجب تأملهما بروية و اتزان، حتى لا يترك الحدثين يمران دون استخلاص للدروس، لأن القضية غاية في الحساسية و ترتبط باختراقات مجالية و بحروب إستخباراتية معقدة، و بمصالح إستراتيجية لا نراها و لها إسقاطات على المستقبل المتوسط و البعيد الذي لا يستطيع البيت الأصفر المصاب بداء الرمد رصده…، حيث عامل الرئيس الروسي ذلك السفير بحزم كبير على عكس المعتاد، الذي يكون فيه وزير الخارجية “لافروف” هو المكلف بالتعامل مع هذه القضايا، و التي غالبا ما يتم تجاهلها دبلوماسيا من طرف الروس، و عدم الانتباه إليها، كما هو الحال مع الدبلوماسيين الروس في ليبيا و سوريا.
لكن أن يتفاعل الرئيس “فلاديمير بوتين” شخصيا مع تلك التصريحات، و يتخذ القرار متجاوزا صلاحيات وزارة الخارجية الروسية و يصدر مرسوما رئاسيا يعفي به سفيره لدى الدولة الأكثر شراءا للأسلحة و المنتجات الروسية في شمال إفريقيا (الجزائر)، و يتم تعويضه بالسفير الروسي لدى الرباط، و الذي له علاقات جيدة مع النظام المغربي، و له مواقف تبدو إلى حد بعيد متناغمة مع خيار الحكم الذاتي، و رغم أن القياس يقتضي أن تنحاز روسيا الاتحادية إلى القضية الصحراوية، هنا نكون أمام وضع شاذ و يتحتم علينا طرح الأسئلة و الإجابة عليها حول سر هذا الموقف الروسي المحايد في ملف الصحراء الغربية؟ و لماذا تبحث موسكو عن رضا الرباط…؟
جزء من الجواب كشفته الصحف الإسبانية هذا الأسبوع، إذ نشرت “كونفدنسيال ديجيتال” حوارا مطولا مع الرئيس السابق لجهز CNI الإسباني، و الذي قال أن المغرب ثاني أكثر البلدان تجسسا على إسبانيا بعد روسيا، و أن هناك حروبا كسر عظام صامتة بين المخابرات المغربية و الروسية للوصول إلى المناطق المظلمة و الحصول على المعلومات الأكثر حساسية في إسبانيا، و الأكثر خطورة أن الصراع بين الروس و المغاربة تعجز إسبانيا عن التحكم به، بمعنى أن الرباط تمتلك قوة مخابراتية جد رهيبة، و أن الروس يدركون هذه القوة و يتعاملون معها باحترام بناءا على مكانة الرباط داخل أوروبا، و قدراتها على التفوق مخابراتيا، و نحن نعلم أن هذه الصراعات الهادئة بين الأجهزة الحساسة، تجعل الخصوم يحترمون بعضهم من جهة، و يتفادون رفع إيقاع العداوة من جهة، تفاديا لتشتيت الانتباه و تبذير الجهد، و الاصطدام.
لا نبالغ في الوصف لأن المعلومات متوفرة في الصحافة الإسبانية، و العلم بالأمر خير من جهله، و هذا التفوق يمتد ليصل إلى التعاون الاقتصادي، و الدبلوماسي و ضبط منبه التصويت الأممي على ساعة الأحداث الدولية و تبادل المواقف، فبمجرد أن قام السفير الروسي في الجزائر بالخروج عن الحياد، تمت معاقبته تلقائيا، بل الأكثر فقد جرى معاقبة الجزائر أيضا بتعيين السفير الروسي بالمغرب، مما يعني أن روسيا أرادت أن تبلغ قصر المرادية عدم رضاها على إغراء السفير الروسي و استدراجه لتقديم تصريحات قد تورط الكرملين في صراعات لا تدخل في حساباته الجيواستراتيجية الحالية، و الأكثر أن روسيا تنظر إلى الموقف المغربي الأخير من الحرب الأوكرانية بإيجابية و ترى أنه يستحق التنويه و الاحترام، رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية قدمت اعترافا للمغرب بسيادته على الصحراء الغربية، إلا أن الرباط تغيبت عن التصويت الأممي الذي يدين روسيا في حربها على أوكرانيا.
و الأكثر من هذا أن روسيا حين أصدرت قائمة الدول الصديقة و الدول غير الصديقة، صنفت الرباط في اللائحة التي تحترمها موسكو، و لا يزال القمح الروسي يصل إلى موانئ المغرب بأثمنة تفضيلية، و من المتوقع أن تكون روسيا خلال أكتوبر المقبل غير متاحة داخل الأمم المتحدة لمساعدة القضية الصحراوية، و سيكون تصويتا حارقا دون شك للبيت الأصفر المرعوب…. لهذا فحادث إعفاء السفير الروسي هو مؤشر يستحق التأمل و القراءة المعمقة، و يشرح أن العلاقات بين الرباط و موسكو ليست تقليدية، لأن الروس يعرفون حجم التحالفات التي يعقدها النظام المغربي، و كيف استثمرتها في أزمتها مع الألمان و الأسبان، مما يجعل روسيا التي فتحت العديد من الجبهات في ليبيا و سوريا و أوكرانيا و لها توترات مع اليابان و السويد و فنلندا و بولونيا…، و أصبحت هدفا مخابراتيا مفتوحا لدول العالم، ترى في الرباط دولة قوية و يجب الفوز بصداقتها و تفادي عدائها.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك