بـقـلـم : بن بطوش
تقول الحادثة أن رجلا بريطانيا استدان كثيرا حتى غلبه الدين و لم يجد سبيلا لسداده و الخروج من أزمته سوى اللجوء إلى الانتحار، لكنه حين رمى بنفسه من سطح أحد المباني وسط العاصمة لندن، وقع فوق سيارة فارهة كانت مركونة أسفل المبنى فنجا بأعجوبة، فألقت الشرطة عليه القبض و وضعته مكبل اليدين في سيارة الإسعاف التي حملته بسرعة إلى المستشفى حيث عولج من الكسور التي أصابته نتيجة ارتطامه بسقف السيارة، و من المستشفى تم نقله إلى المحكمة التي أدانته على فعله الإجرامي – الانتحاري مع تغريمه مبلغ السيارة التي أنقذت حياته، ليجد نفسه في مأزق أكبر من الدين الذي كان في ذمته، لأن ثمن السيارة كان نصف مليون جنيه إسترليني، بينما مجموع كل ديونه التي قرر بسببها الانتحار لا تتعدى المائة ألف جنيه.
هذا المواطن البريطاني الذي فشل حتى في الانتحار، ذكرني بحلول قيادتنا الفاشلة و التي تزيد من تعقيد و تأزيم الوضع كلما فكرت بعمق في حلول دبلوماسية مريحة ظاهريا، بينما في تفاصيلها لا يسكنها شيطان واحد، بل شعب من الشياطين التي توسوس للأخ القائد بخيارات انتحارية، تكلف الشعب الصحراوي أضعاف ما تكلف البيت الأصفر المستمتع بالهزائم العسكرية و الدبلوماسية…، ذلك أن مع وصول الأخ القائد إلى مطار “كواترو” الأنغولي لحضور مراسيم تنصيب الرئيس الجديد و إعلان التلفزيون الصحراوي بالمخيمات أن تلك الزيارة ستدوم يومين لتعميق العلاقات مع دولة أنغولا، تعالت النداءات الصحراوية عبر مواقع التواصل الإجتماعي تسأل الله اللطف في القضاء، حتى لا يغرد الرئيس الأنغولي بسحب اعترافه أو التنكر لتاريخ العلاقات بين بلاده و الدولة الصحراوية؛ فالجميع في المخيمات أصبح يتطير من حضور الأخ القائد لحفلات تنصيب الزعماء في العمق الإفريقي و في أمريكا اللاتينية كما حدث سابقا في دولة السلفادور سنة 2019.
ربما يخاطبني أحد العاشقين لدبلوماسية البيت الأصفر و يتهمني بالتحامل على قيادة الرابوني، و يطالبني بتأمل الصورة التي تناقلتها المواقع الإخبارية الدولية لوزير خارجيتنا و هو يضم دبلوماسيا من دولة السودان الجنوبية إلى نفوذ الدولة الصحراوية في معركة الاعترافات و سحب الاعترافات،… هنا أجيبك أيها القارئ الكريم بأن تلك الصورة لا تقول الحقيقة كاملة، و أن الحقيقة ليست كما جاء في الإعلام الصحراوي، و أن تلك الصورة تظهر الأخطاء الكارثية للدبلوماسية الصحراوية و بيت الحكم في الرابوني، حيث تعلمنا مما سبق أن الصورة لا تساوي في منطق السياسة أي شيء، و الدليل أن دولة تونس تجري حاليا مفاوضات سرية مع الرباط للتصالح، و أن جميع سلفيات الأخ القائد في الساحل الأطلسي أصبحت مجرد ألبوم سيوضع عما قريب كتراث صحراوي يمكن الاستئناس به عند الحديث عن الوطن الذي أضاعه من حملوا وصية الأجداد.
ما يزيد من حالة الإرباك، أن دولة السودان الجنوبية الفتية و التي لا تتوفر حتى الآن على مؤسسات سيادية متكاملة، لأن أصغر مدون صحراوي يكبرها بعشرات السنين، و هي دولة لا تزال في إطارالتأسيس، و أن المحتل المغربي هو من تفضل عليها بدراسة لإنشاء عاصمة حديثة لها، و أن الرئيس “سيلفاكير” خلال سنة 2018 راسل ملك المغرب متوددا له و هو يعلن أنه لا و لن يعترف بالدولة الصحراوية، و أكد الأمر وزير خارجية السودان الجنوبية قبل أشهر قليلة حين حل ضيفا على الرباط…، لهذا لا يمكن الجزم و التطبيل منذ الآن باعتراف السودان الجنوبي الذي ليس وضعه أفضل حالا من وضع دولتنا الصحراوية، لمجرد لقاء بين وفد صحراوي و آخر من السوادن الجنوبي في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك.
لكن هذا لا يمنع من التفاؤل و التذكير بأن هناك واقع يدعم هذه الإشاعة الدبلوماسية، و التصريحات المبهمة التي روج لها الإعلام في المخيمات و التي تبيح لنا توسيع هامش الأماني في إمكانية ربط علاقات مع هذا البلد، حيث تقول المعطيات أن دولة السودان الجنوبية تعيش وضعا زراعيا مقلقا جدا، و أن لديها عجز فلاحي و حاجة ملحة إلى تمويلات بنصف مليار دولار لم تتمكن من الحصول عليها من أي جهة تمويلية في العالم، و أن جميع الحقول السودانية على ضفاف النيل أصبحت في حاجة إلى تهيئة فلاحية بعد أن تعرضت للإهمال، نتيجة الحروب الطاحنة على ثروات البلاد بين الزعماء السياسيين لهذا البلد، و أيضا بسبب موجة الجراد الحاد التي اجتاحت ما بقي من حقول زراعية، و أن هذا الوضع غير المستقر جعل دولا مثل المغرب إسرائيل و مصر و الصين و تركيا و فرنسا و اليابان، تسحب استثماراتها الفلاحية و تعلق مشروع الاكتفاء الذاتي الإفريقي من الحبوب.
هنا يمكن فتح قوس تدخل عبره الأموال الجزائرية لتنقذ هذا البلد من حافة الإفلاس الفلاحي و تجنبه الكارثة الغذائية، و قد يكون هذا الموضوع هو أساس اللقاء بين الوفد الصحراوي و نظيره السوداني الجنوبي في نيويورك الأمريكية، هذا المعطى هو الوحيد الكفيل بجعل دولة مثل السودان الجنوبي تقبل بإقامة علاقات طبيعية مع الدولة الصحراوية، و تتراجع عن الوعد الذي قدمه رئيسها “سلفاكير” إلى النظام المغربي، لكن من باب الحكم على هكذا وضعيات دبلوماسية و الاعترافات التي تشترى بالمال، يمكننا الجزم بأنها مجرد اعترافات مؤقتة تزول مع زوال الرشوة، و أن الذي يجب عليه إعلان ذلك الفتح الدبلوماسي – إن تحقق-، هو وزير خارجية الحليف الجزائري، لأنه في النهاية المسؤول عن المجهود المالي المبذول في هذه المهمة النبيلة من حيث المبدأ و القذرة من حيث الوسيلة.
و هذا الحكم بنبل المهمة و قذارة الوسيلة نستمده من تجارب القضية الصحراوية في شراء الذمم، و انتهاء هذه التجارة بنكبة دبلوماسية تقتل الآمال في نفوسنا كرأي عام صحراوي، ذلك أن ما فعله النظام الكيني خير دليل على قذارة الوسيلة، و خلال خطاب الرئيس الكيني بالجمعية العامة للأمم المتحدة، اتضح تخلي الرجل عن القضية الصحراوية بعدما تطرق لكل القضايا في القارة الموجوعة و تجاهل قضيتنا، و ليت قيادتنا تقتفي آثار دولة الاحتلال التي تنتزع الاعترافات من أفواه القوى العالمية كإسبانيا و ألمانيا و أمريكا و البرتغال و هولندا…، و توثق الأمر في السجلات الرسمية لهذه الأمم، حتى لا تخضع الاعترافات مستقبلا لنزوات الحكام و هوى الأحزاب الحاكمة…
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك