بـقـلـم: حـسـام الـصـحـراء
يحكى أن أحد الرؤساء العرب كان كلما جلس بين يدي حلاّقه الخاص، ذكر له هذا الأخير قصة “تشاوشيسكو“، الرئيس الروماني الذي شهد العالم إعدامه رفقة زوجته على المباشرعلى شاشات التلفاز، و كان ذلك الرئيس العربي يتضايق كثيرا لسماع هذه القصة، فسأل حلاقه عن سبب تكرارها، فأجاب الحلاق : “لأنني كلما ذكرتها لك وقف شعر رأسك و سهل علي حلاقته.”.، و هذا ما يفعله الرئيس الصحراوي “ابراهيم غالي” تماما، كلما حضرت ذكرى اعلان قيام الجمهورية الصحراوية إلا و خطب فينا، يذكرنا بقنابل “النابالم” و “الفسفور الأبيض”، و كيف فر شعبنا بجلده من قبضة جيش المحتل، و كيف تآمرت علينا إسبانيا مع النظام الموريتاني حينها و المغرب..، كل هذا الكلام يعيده على مسامعنا سيادة الرئيس كي يسهل عليه إقناعنا بأن أكبر إنجاز ليس الاستقلال و لكن الهروب و البقاء أحياء.. فأي منطق هذا و نحن نحتفل بالذكرى الثالثة و الأربعون في المنفى الاختياري .
ثلاثة و أربعون سنة مرت علينا في أرض اللجوء، أربعة عقود و نيف..، كلها، عاشتها الأجيال الأربعة للقضية بين الشتات و اللجوء، مرت تلك السنون و كبرنا و عرفنا أن كل ما قيل لنا حينما كنا صغارا كان محض أماني، و أن الاستقلال و حلم الدولة مجرد خطابات على الأوراق يقرئها علينا من يحكم البيت الأصفر كلما حلت بنا ذكرى تعيد علينا تلك الفواجع الكبيرة للشعب الصحراوي..، فلا حاجة لنا ليذكرنا السيد الرئيس بما ألقته علينا قوات الاحتلال من قنابل و لا أظن أن أحدا من الشعب الصحراوي يوافق على تحويل ذكرى كهذه للحظة مفاخرة بالدمار الذي حدث لنا أو ذلك الذي تسببنا فيه، فقد كانت حربا..، و عند الحرب لا يتراشق الأعداء بالزهور، و لا يٌقرض شعر الإعجاب بين المتطاحنين، كل ما نحتاجه الآن هو صوت الواقع و عين الحقيقة.. فقد حان وقت الصراخ: “الشعب يريد”… رؤيا واضحة لمستقبلنا المظلم.
إن كلما أضافه السيد الرئيس إلى الشعب الصحراوي في هذه الذكرى بعد خطابه، كان مبتذلا إلى درجة اليأس العضال، في احتفال غابت عنه الجزائر بكل ثقلها و إيحاءاتها، و هي المرة الأولى التي يكتفي فيها قصر “المرادية” بإرسال ممثل عنه في شخص والي تندوف و عشيق الشاعرة “النانة لبات الرشيد”، دون أن يحضرها مستشارو السيد الرئيس “بوتفليقة” الذي اكتفى هذه المرة ببرقية تهنئة تليت على عجل على المشاركين، كانت أشبه بخطبة الوداع، تحمل الكثير من التوصيات، و تدعونا للصمود بنبرة غير قوية، راجيا أن تتكلل جهود المبعوث الأممي “كوهلر” بالنجاح للخروج بحل عادل، و هذا خطاب خارج السياق الذي تعودنا عليه، و ينذر بما لا يناسب القضية الصحراوية.
كانت هذه ملاحظة وجب عليا الإفصاح عنها قبل الدخول إلى خطاب السيد الرئيس “إبراهيم غالي”، الذي بدوره أحس بثقل المرحلة و بحرج الوضع، فخطب فينا يذكرنا بما وقع للقضية الصحراوية داخل البرلمان الأوروبي و كيف نسفت أوروبا كل الوعود التي كان تزفها إلينا قيادتنا بين الفينة و الأخرى عن استرجاعنا للحق، في مباشرة استغلال الثروات لمستوى جعل كل الشعب الصحراوي يتوقع نصيبه من تلك الخيرات التي ستصبح تحت أيدينا و ملك يميننا، لكن الأمور لا تحسب بمنطق الأماني و لكن تحسب بالمعطيات و لغة المصالح و هي اللغة التي فشل قادتنا في تعلم أبجدياتها حتى الآن.
كان خطابه يائسا بعدما قرر البرلمان الأوروبي التصويت لصالح تجديد الاتفاق مع المحتل المغربي، و اتهم البرلمان الأوروبي بتوريط الشعوب الأوروبية لكن الرئيس لم يقوى على اتهام “ترامب” و لم يشر إلى ذلك بأصبع كلماته، و عرج بعد ذلك للكلام على الأماني و رهانه على ما أسماه المجهود الكبير الذي يقوم به الرئيس الألماني الأسبق “هورست كوهلر”…. و هنا سنتوقف لأن تذكير “غالي” في خطابه بشخصية المبعوث الأممي الرئاسية، هو محاولة من النظام بالرابوني لإعطاء دور الوساطة حجم أكبر، و كان الأجدر أن يصفه كما يصفه المغرب و وضعه في حجمه الدبلوماسي كوسيط أممي “فقط”، و كموظف لدى منظمة عالمية، و أنه لا يتصرف في تلك الوساطة بناءا على منصبه السابق.
لقد حاول الرئيس اللعب بالأحداث و إظهار حجم الأرباح لموازنة الخسائر، رغم علمه أن الكفة تميل بقوة إلى الرباط، حين قال بأن المحتل جلس على صعيد واحد معنا داخل الإتحاد الإفريقي، هنا وجب منا التذكير كيف عمل حلفائنا و أصدقائنا على منع عودة المحتل إلى المحفل الإفريقي، و رغم ذلك دخلها كما الفاتحين و الرئيس بنفسه وقف يصفق مع المرحبين..، كان هذا كل ما استطاع قوله من إنجازات، في خطاب الذكرى الـ 43، التي حلت علينا و نحن في مفترق الطرق على مرمى الخوف من نتائج الانتخابات الجزائرية، خصوصا و أن جميع المرشحين الذين دخلوا سباق الرئاسيات الجزائرية ضد “بوتفليقة “وضعوا القضية الصحراوية على هامش اهتماماتهم و أقروا بأن المرحلة القادمة هي مرحلة اتحاد المغرب العربي..، و هذا يمنحنا جزء من الرؤيا التي جعلت خطاب الرئيس بدون لون و لا رائحة في ذكرى الجمهورية.
كانت هذه قراءة لرسائل الخطاب الذي قرأه علينا الرئيس “إبراهيم غالي”، و نحن نجيبه عليه بالقول “لم تعد قصص النابالم و الفسفور الأبيض ترهبنا..، الشعب يريد حلولا”، لأن الخوف كل الخوف من القادم… و غياب تمثيلية قوية في الذكرى لحكام الجزائر، يكشف حجم التحول الذي يقطع أوصال العلاقات السياسية داخل الحليفة، خصوصا و أن فرنسا لا تنظر بعين الرضا إلى رغبة محيط “بوتفليقة” بإعادة ترشيحه لعهدة خامسة.. و هذا موضوع كبير جدا.. و يخصنا من قريب و من بعيد.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك