من ”معبر الكركرات” إلى ”معبر اللنبي” : الرباط تكرس قوتها الدبلوماسية و تتموقع بين القوى الكبرى كوسيط سلام
بـقـلـم : بن بطوش
كما كان متوقعا، و بعد الغضب الشعبي الكبير الذي تسببت فيه تصريحات السفير الجزائري في باريس “محمد عنتر داوود”، و نعته للجزائريين باللصوص…، و ارتفاع أصوات من داخل الجزائر و خارجها مطالبة بإقالته و تحويله إلى المحاكمة الشعبية، و دعوتهم سلطات البلاد إلى اعتبار تلك التصريحات خيانة عظمى للدولة و الشعب الجزائريين…، فقد أعلنت وزارة الخارجية الجزائرية إعفاء السفير من مهامه و تعيين “سعيد موسى” السفير الجزائري السابق بمدريد خليفة له، في إشارة من قصر المرادية إلى أن سفيرها لن يعود أبدا إلى إسبانيا، و أن الخلاف بين حكومة “سانشيز” و النظام الجزائري وصل إلى مستوى متقدم يصعب معه في المستقبل القريب حصول توافق لرأب الشرخ، و يستحيل معه نجاح أي وساطة في الظروف القائمة، مع تسريب أنباء عن تحريض الإسبان لبروكسيل ضد مصالح الدولة الجزائرية داخل الإتحاد الأوروبي، و تلك قضية أخرى سنناقشها في مقالات لاحقة.
و بينما يؤدي عجز الخارجية الجزائرية عن صناعة مجد دبلوماسي، إلى اضطرار قصر المرادية لتبني الإجراءات السهلة و التي تزيد من عزلة بلاد من حجم الجزائر عن محيطها و عمقها الإقليميين، و تزكي العداوات كعقيدة لسياسييها الذين يرون في أنفسهم نخبا عسكرية مبدعة داخل نظام شمولي يرفض الحوار و يضيع فرص السلام…، و يسارع إلى فتاوى إغلاق المعابر و القنوات كي يفرض منطق الحرب الباردة اقتصاديا ضد مصالحه قبل مصالح جيرانه…، وسط هذا الاضطراب العضال للنظام الجزائري الذي يكرس أزمة الكوادر و التي جعلت هذا الوطن يفقد وزنه الإستراتيجي، نلاحظ بأن الرباط تكرس تموقعها كقوة سلام – دبلوماسي داخل مراكز الثقل و التأثير الدولية، و تصنع لنفسها شخصية دبلوماسية و سياسية تطاول بها أعناق الكبار، و هي تستغل أنصاف الفرص لتضغط على الدولة العبرية كي تتنازل للفلسطينيين و تقبل بفتح معبر ” العقيد اللنبي ” الذي يسمى كذلك معبر “الملك حسين”.
ذلك أنه ما إن وصل الرئيس الأمريكي “جو بايدن” إلى تل أبيب و إبدائه موافقته على إعلان القدس و ما تضمنه من تفاصيل…، حتى صدحت وكالات الأنباء العالمية التي نشرت تصريحا لوزيرة النقل الاسرائيلية، “ميراف ميخائيل”، تؤكد خبر نجاح الوساطة المشتركة للمغرب و أمريكا في إقناع الإسرائيليين و الأردنيين، بإعادة فتح المعبر الذي يربط بين الضفة الغربية و الحدود الأردنية إلى عمق العاصمة عمان، و فك الحصار على الفلسطينيين، حيث أكدت الوزيرة الإسرائيلية أنه منذ عدة أشهر جرت مباحثات سرية مع مسؤولين أمريكيين ومغاربة وفلسطينيين و أردنيين، من أجل تحقيق فتح معبر “العقيد أللنبي”، الشهير بجسر “الملك الحسين”، و كأن نجاح المحتل المغربي في افتكاك مواقف لصالحه في أزمة معبر الكركرات دون أن يطلق رصاصة واحدة، جعلت له صيتا دوليا و أصبحت تجربته مطلبا تستعين به أمريكا في أعقد الملفات.
نجاح الوساطة المغربية – الأمريكية يزيد من قوة الرباط الدبلوماسية و يمنحها مكاسب جديدة على المستوى الدولي لسببين؛ الأول أنها وساطة غير تقليدية، و تتشارك فيها مع القوة الأولى في العالم، و تؤكد أن العلاقات المغربية – الأمريكية في أحسن أحوالها و أن البيت الأصفر بالرابوني و قصر المرادية أخفقا في الرهان على الخلاف بين البيت الأبيض و الرباط غداة انتهاء عهدة “ترامب”، و الثانية أن خضوع إسرائيل للضغوط الأمريكية و المغربية أظهر بأن الرباط لها تأثير قوي على القرار السيادي العبري، و أن تل أبيب استجابت لمطالب الرباط و هي تعلم بأن فتح المعبر لن يفيد إسرائيل و لا الأردن، بقدر ما سيفيد الفلسطينيين و يرفع عنهم العزلة و الحصار و يمنحهم هوامش أكبر في الصراع مع إسرائيل، و الأكثر من كل هذا أن إسرائيل خضعت لهذه الوساطة و استجابت لها رغم علمها بأن الرئيس الأمريكي قبل بشرط الرباط، التي رفضت المشاركة في الوساطة قبل أن تتبنى أمريكا حل الدولتين و تدافع عليه….
حدث فتح “معبر اللنبي” حجب عن العالمين العربي و الدولي تفاصيل زيارة الرئيس الأمريكي إلى إسرائيل و نتائجها، و خلق جوا من التفاؤل بين الأطراف التي رأت في فتح المعبر خطوة مهمة نحو السلام الشامل و العادل في الصراع، خصوصا و أن إسرائيل تحججت بالوباء من أجل إغلاق المعبر، و رفضت بشكل مطلق مناقشة فتحه بعد التصعيد الأخير من “حماس”، و كانت إسرائيل تنظر إلى المعبر بقلق و ترى في قضية فتحه، مزيدا من الهواجس الأمنية و ترفض كل المطالب الفلسطينية بإعادة الحياة إليه و لو بشكل مؤقت و جزئي…، لكن و دون سابق إنذار و في سرية تامة حصل الاتفاق و تقاربت وجهات النظر، و الغريب أنه لم يتمكن أي صحفي أو أي جهاز إستخباراتي دولي من كشف خيوط الوساطة بين الأطراف، و التي يقودها ملك المغرب و الرئيس الأمريكي بشكل شخصي، و أفضت إلى حلحلة الأزمة و فك الحصار على الشعب الفلسطيني بالضفة الغربية.
اليوم نحن كشعب صحراوي بقيادة هرمة و حليف يعيش عزلة اقليمية و عربية و دولية، نجد أنفسنا مع انتشار الخبر أمام ظاهرة دبلوماسية جديدة، تمنح المحتل وضع جيو-إستراتيجيا قوي، و تجعل منه مدرسة سلام تقارع كبار العالم، و عندما قالت الوزيرة الإسرائيلية أن المفاوضات كانت سرية و جمعت بين الفلسطينيين و الأمريكيين و المغاربة و الإسرائيليين…، فنحن نجد أنفسنا مرغمين على تجميع أطراف الصورة للحصول على المشهد الذي صنع نجاحات هذه الدبلوماسية، لأن قبل أسبوع من زيارة “بايدن” للشرق الأوسط، كان كل من “إسماعيل هنية” و “محمود عباس” ضيوف شرف احتفالات الذكرى الـ 60 لتأسيس الجزائر، و تصافحا في مشهد تمثيلي – تاريخي أمام الرئيس “تبون”…، و أخفيا عن الجزائريين بأن هناك وساطة أمريكية مغربية في ملف المعبر مع إسرائيل نحو الأردن، و تركا الرئيس الجزائري يظن أنه يقوم بالمستحيل، و يتحول إلى مستملحة يتنمر عليها النشطاء في مواقع التواصل، في حين أن “عباس” و “هنية” حضرا إلى الجزائر بعد جلسة صلح مع الإسرائيليين، لعبت فيها الرباط دور الوساطة مناصفة مع أقوى دولة في العالم، و إذا كان نصيب الدبلوماسية الرئاسية الجزائرية صورة لمصافحة تحت عنوان الإخوة الأعداء، فالمحتل دون صور و بصمت جاور أمريكا في نجاح فتح أحد المعابر اللغز في القضية الفلسطينية.
نصل الآن إلى حجر الزاوية لندرج التفاصيل التي غيبها الإعلام بشكل مقصود، و نربط بين زيارة “جاريد كوشنر” و زوجته، إبنة الرئيس السابق “ترامب”، الذي طعن القضية الصحراوية في مقتل، و جولتهما في مدن الصحراء الغربية المحتلة، و علاقة الأمر بإعلان القدس، و كيف أن هذه الزيارة كانت تحمل رسائل شكر للرباط من الإدارة الأمريكية، و تمنحنا صورة على أن مخططات “ترامب” لا زالت سارية المفعول و يتم تنفيذها تدريجيا، و تعمل بها إدارة الرئيس الأمريكي الحالي “بايدن”، و أن مستشار “ترامب” السابق و الذي يرأس أكبر تجمع مالي يهودي في أمريكا لا يزال يلعب دور كبير المستشارين للبيت الأبيض، و أن هذا الداهية غير مرتبط بشخص الرئيس الأمريكي الذي يتغير، بل يبدو أنه يشغل مهمة غامضة داخل البيت الأبيض لصالح اللوبي اليهودي السياسي و المالي بأمريكا، و أنه جزء من القرار الرئاسي السيادي الأمريكي.
إبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك