بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
في هذه اللحظة التي نوشك فيها أن نبدأ الحديث عن مرحلة ما بعد مناورات “الحزم 2021″، يكون الرئيس الأمريكي “جو بايدن” قد أنهى مراسيم تنصيبه على عرش قيادة العالم، و دخل البيت الأبيض في ثوب الفاتحين بعد مخاض ديمقراطي عصيب، قدمت فيه أمريكا للعالم دروسا كبيرة، أهمها أن دولة المؤسسات لا تزول بزوال الرجال، و أن الفوضى لم تعطي يوما الحق لأي أحد في تدمير مكاسب السنوات، و رغم أن رئيس أمريكا غاب عن الحفل و ترك لخلفه ورقة أخيرة تمنى له فيها النجاح، لكن “بايدن” لم يعتبر هذا الغياب خيانة للقسم الرئاسي، و لم يتوعده بجره للقضاء انتقاما منه و حقدا على تشبته إلى آخر نفس بكرسي الرئاسة و لم يتوعد “بايدن” بتصفية التيار “الترامبي” …، كل ما فعله “بايدن” أنه شكر سابقه و قال اليوم تنتصر الديمقراطية…، فهل يعلم الأخ القائد “إبراهيم غالي” أن الدروس تؤخذ من التجارب الكبرى… !!؟
عاد الإعلام الرسمي للحليف الجزائري مرة أخرى ليكشف عما يجري في النقطة الساخنة –تندوف-، و بث مقاطع و تسجيلات عن مناورات عسكرية ضخمة بالذخيرة الحية للجيش الجزائري تحت اسم “الحزم 2021″، قيل أنها تحضير للجاهزية من أجل كسب الرهانات و الاستعداد الجيد، و لدفع الخطر الذي أصبح قريبا جدا، حيث قال قائد الجيش الجزائري “شنقريحة” بأن الجزائر تستحق من جيشها بأن يكون دوما في مستوى هذه الرهانات المطروحة و أن قوات الجزائر ستفشل كامل المخططات المعادية…، و هذا الخطاب الذي اعتبره العارفون بالشأن السياسي لشمال إفريقيا و منطقة الساحل و الصحراء، تحول جديد في اللهجة التي لم تعد مجرد تراشق للتصريحات بل وصلت مستوى التهديد بالأعمال العسكرية و الاتهام بممارسة الإرهاب.
غير أن القراءات التي وضعها خبراء السياسة الإقليمية بشمال إفريقيا عبر تحليل منحنى هذا العداء بين الجارتين المغربية و الجزائرية، تؤكد بأن الأمر هذه المرة مختلف قليلا و أن ما قام به قائد الجيش رغم غياب الرئيس الجزائري الذي خضع لعملية جراحية على قدمه بألمانيا قيل أنها كللت بالنجاح، شبهه الخبراء بصراخ الرئيس الجزائري الراحل “الهواري بومدين” بعد أن دخلت الأمواج البشرية إلى الساقية الحمراء بالصحراء الغربية، في إطار المسيرة التي يراها المغاربة خضراء و نراه نحن الصحراويين سوداء، إذ يضيف الخبراء بأن هذا التمرين إذا ما أضيف له الطريقة التي قرأ بها “شنقريحة” ذلك الخطاب و محاولته التحدث بصوت قوي…، هو أشبه بعتاب من النظام الجزائري للمحتل المغربي الذي استقوى على الأسبان و الجزائر بالتحالف مع القوة التكنولوجية العسكرية و الإستخباراتية الأولى في العالم.
لم تتوقف القراءات هنا، بل أضاف بعض النشطاء الجزائريين بأن تلك المناورات تكلف أموال طائلة و تلك الذخيرة الحية التي تستعمل و التجهيزات التي تنقل إلى موقع التمرين و مأكل الجيوش و مشربهم و مبيتهم و الصيانة المطلوبة لتجهيزات بعد العملية و تعويض الذخيرة التي تم تدميرها في عملية استعراضية…، يكلف حسب عارفين و مقربين من الجيش الجزائري 50 مليون دولار أمريكي، و هذا الرقم يراه النشطاء تبذير غير مبرر، خصوصا و أن الجيش الجزائري لتوه خلال سنة 2020 قام بتمرين مماثل و بذر خلاله أموال طائلة، في الوقت الذي تدرس فيه وزارة التجارة الجزائرية إصدار قرار منع استيراد اللحوم لتخفيف العبء عن احتياطي العملة الصعبة و تدبير نفقات الدولة.
لكن على المستوى الإستراتيجي و السياسي تبقى العديد من التساؤلات عالقة لدى الرأي العام الصحراوي و الجزائري على حد السواء، حول سبب عدم مشاركة الجيش الصحراوي في هذه المناورات، خصوصا و أن الجيش الصحراوي في حاجة لهذه النوعية من التداريب، ليعلم كيف تكون الحروب الحقيقية، على عكس ما نقرأه في بيانات البيت الأصفر بالرابوني بخصوص الدك و الأقصاف و الكر و الفر دون أن نرى لذلك أثرا…، و يزيد حجم الحيرة لدينا بإدراج موقف دولة إسبانيا التي هي الأخرى تشترك في الجيرة مع المحتل، و الاعتراف الأخير للإدارة الأمريكية بسيادة الرباط على الصحراء الغربية، أساء إليها و فاجئها و أغضبها، و أن تحالف المحتل مع واشنطن يشكل لها تهديدا أمنيا و قد تسحب أمريكا قاعدتها العسكرية “غوتا” من جنوب إسبانيا و تضعها بشمال المغرب أو بإحدى موانئ الصحراء الغربية، لهذا نتسائل مرة أخرى عن سبب عدم قيام اسبانيا بمناورات بالدخيرة الحية لإرعاب جارتها الجنوبية، و لما لم نسمع من قائد جيوشها أي خطاب يتحدى فيه أعداء مدريد و حلفائهم و لم تتهم مدريد أي أحد بتدبير المكائد لها و زرع بذرة الإرهاب الخبيثة فوق ترابها… هنا يجب أن نبحث عن موطن الفرق بين الموقف الجزائري و الإسباني اتجاه الرباط…؟
الرسالة الصحفية التي نحملها تحتم علينا أن نضع القراءة الصحيحة دون تعصب و دون أن تأثر فينا عاطفة الوطنية و الولاء…، ذلك أن الأسبان أكثر ثقة في النفس و أكثر إطلاعا على الوضع، و هذه الثقة مصدرها تباث أداء قيادتها و مؤسساتها و قوة جهاز الاستخبار لديها، و الذي يوفر لها معطيات دقيقة و محيَّنة عن الوضع القائم، و الدليل أن صحيفة لراثون الإسبانية نشرت مقالا عن ميزان القوة العسكرية بين مدريد و الرباط و خلصت أن إسبانيا متفوقة في الجو و البحر فيما الرباط متفوقة في البر، و هذا لأجل طمأنت الرأي العام الإسباني بعد الخطاب الأخير لحزب بوديموس الذي أرعب الشعب الإسباني من التحديث العسكري المغربي.
في الجانب المقابل الجزائر لا تمتلك القدرات الإستخباراتية العالية للإطلاع على الوضع و لم تحقق أي اختراق، و السبب هو التغير الدوري في النظام الجزائري الذي أضعف الأجهزة الإستخباراتية الخارجية، و ركز دورها على الحروب الداخلية بين جنرالات المدارس الفرنسية و جنرالات جيش التحرير، و أن المعطيات التي يعتمد عليها النظام الجزائري و بالخصوص قائد الجيش الذي يتخذ القرارات بالنيابة عن الرئيس المريض، تعتمد بالأساس على وضع القراءات فقط و الاجتهاد في الرأي بناءا على مسار تطور الأحداث، و أن المعطيات التي تتوفر عليها الجزائر لا تعدوا أن تكون تلك المتوفرة لدى مختلف وسائل الإعلام مع بعض المعلومات التي لا تصل دقتها إلى المطلوب مخابراتيا، و القيادة في هذه الحالة قد تتعرض للتضليل و قد يتم منحها قراءات مغلوطة للوضع مثلما حدث لنظام صدام حسين خلال غزوه للكويت حين قدمت له تقارير مخابراتية ضعيفة و غير مضبوطة عن ردة فعل المجتمع الدولي و القدرات القتالية للعراق أمام قوى التحالف.
الصعب في الموضوع أن الجزائر حينما تعتمد على التوقعات و تحليل الأحداث لبناء رأي يتهم جهة معينة، فهي تغامر بموقفها، و حتى نقرب أكثر الموضوع من الواقعية فإن الجزائر بعد تطبيع المحتل مع إسرائيل و عودة الإرهاب لينشط داخل الجزائر و يضرب بقوة و يخلف 06 ضحايا، فإنها توحي من خلال مواقف قائد الجيش للرأي العام الجزائري بأن الأيادي الخارجية بدأت تعبث بأمن الجزائريين، لكن هذا الأسلوب التقليدي اليوم يصعب في ضل المتغيرات و التطورات أن يقنع الرأي العام الجزائري…، لأنه على إطلاع أكثر بالمستجدات، و يعرف أن الأمر متعلق بحرب تصفية حسابات داخلية أكثر منه أيادي خارجية.
نحن من موقعنا لا نسعى إلى التأثير على القرارات و لا إلى تحريك الرأي العام بالمخيمات أو بالجزائر، بل كل هدفنا وضع القارئ الكريم أمام الوقائع دون بهرجة و دون تلاوين و زيف، حتى لا تفاجئه النتائج.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك