بـقـلـم: حـسـام الـصـحـراء
لم يكتب للشعب الجزائري أن يستمتع بانتصاره في لعبة فرض الإرادة على النظام أكثر من بضعة أيام، فقد خرجت عليه الدولة العميقة بقرار تنصيب أحد الوجوه التي تعتبر من رموز النظام المنتمي إلى فترة الرئيس المستقيل “بوتفيلقة”، حيث عين البرلمان الجزائري بغرفتيه (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة) الثلاثاء، “عبد القادر بن صالح” رئيسا مؤقتا للبلاد لمدة 90 يوما، بعد إثبات حالة شغور منصب الرئيس وفقا للدستور، وقاطع جزء من المعارضة مداولات البرلمان إثر رفض الحراك الشعبي شخصية رئيس مجلس الأمة لتولي المرحلة الانتقالية والمطالبة برحيل جميع رموز النظام السابق.
و بمجرد الإعلان على تنصيب “عبد القادر بن صالح” حتى غصت الشوارع الجزائرية بالمحتجين الذين خرجوا للتعبير عن رفضهم للرجل المعين، و الذي أوكلت له مهمة تسيير أمور البلاد كرئيس مؤقت، لمدة لا تتجاوز التسعين يوما، و رغم أن “بن صالح” قدم تعهدات بتسليم السلطة بعد النجاح في تنظيم الانتخابات و إعادتها إلى من سيختاره الشعب الجزائري في اقتراح حر و ديمقراطي، إلا أن الشعب الجزائري أطلق سيلا من التهم للرئيس المؤقت يصفه فيه بخدمة أجندة النظام الذي يخضع لتصرف “السعيد بوتفليقة”، هذا الأخير الذي لا يزال – حسب الشارع الجزائري- يتحكم في المصير السياسي للجزائريين عبر التحكم في الأسماء التي دفع بها لتعوض شغور كرسي الحكم.
و أطلق المدونون الجزائريين على صفحات الفايسبوك و تويتر حملة للمطالبة بإسقاط و إلغاء تعيين “عبد القدر بن صالح” حيث أجمعوا على أن اختيار “بن صالح” المنتمي للنظام الجزائري كأحد الوجوه التي كانت مقربة جدا من “السعيد بوتفليقة” يمثل فشلا عظيما، و يظهر مدى خبث هذا النظام العنكبوتي الذي لا يريد تسليم مقاليد الحكم إلى الشعب الجزائري، حيث جاءت معظم التدوينات موحدة و تقول “كل هذا الحراك و كل تلك المسيرات و التي استمرت لسبعة أسابيع كاملة كانت لأجل إيصال بن صالح لكرسي الرئاسة… الأمر محزن جدا”، فيما اختار أحد المدونين الجزائريين المنتمي للمهجر إتهام “القايد صالح بازدواجية المواقف و كتب على صفحته (“القايد صالح” هو أساس المشكل… بالأمس وصفهم بأفراد العصابة و اليوم يأتي بواحد من أفراد تلك العصابة و ينصبه كرئيس للبلاد… ألم يسمع القايد صالح مطالب الشعب خلال آخر جمعة برفضهم الباءات الثلاث “بلعيز” و “بن صالح” و “بدوي”…)، لكن ما سر خوف الشعب الجزائري من شخص “عبد القادر بن صالح” رغم أنه لن يستمر على رأس الجزائر غير 90 يوما؟
فالرئيس المؤقت للجزائر يعتبر أحد الوجوه التي رافقت بوتفليقة طيلة مسيرة حكمه التي استمرت لعشرين سنة، و أحد رجالات النظام الأكثر وفاءا لأسرة بوتفليقة، و الشارع الجزائري يؤمن بأن تنصيب “بن صالح” كرئيس مؤقت لدولة الجزائر هو التفاف على مطالب الاحتجاجات، و محاولة لإعادة استنساخ النظام و أن بن صالح متحكم في رأيه و تصرفاته من طرف “السعيد بوتفليقة” و “القايد صالح”، و أن الاثنان هما وجهان لعملة واحدة، و كل ما قاله و قام به “القياد صالح” من أجل الضغط على “بوتفليقة” لتقديم الاستقالة لم يشفع له عند المحتجين الذين يرونه جزءا من النظام الفاسد و أحد مهندسي وصول “بن صالح” إلى الحكم.
الشعب الجزائري اليوم متخوف من قضية تنظيم الإنتخابات على مقاس النظام و تسيهل وصول إسم يكرر التجربة التي عانى منها الشعب الجزائري لعقود طويلة، و يرى الشعب أن “بن صالح” عين لتحقيق هذه الغاية و منع الطريق أمام المرشحين غير المنتمين للنادي الضيق للنظام الذي قاده “بوتفليقة” لسنوات، فيما الجيش يخشى أن تنفلت الأمور من بين يديه و تتسبب تلك الديمقراطية التي ينادي بها الشعب في إيصال رجل إلى كرسي الرئاسة الجزائري، يعزل الجيش عن ممارسة السياسة و التأثير في القرارات و يفرض منظور إستراتيجي جديد للبلاد، تكون فيه الأولوية للدولة المدنية و يصبح الجيش خاضع لوصاية المؤسسات التشريعية، و بالتالي تفقد الجزائر قدرتها و مركزها الإستراتيجي في شمال إفريقيا و الذي يرى قصر المرادية أن الجزائر تفرضه بقوة الصفقات العسكرية، و كريزما قادة الجيش.
وسط جدل من سيربح الرهان إرادة الشعب و قبضة الجيش، بدأت المؤشرات تتغير و تحيد عن السكة التقليدية و لم يعد الأمن يعامل المحتجين بالود الذي نقله لنا الإعلام، حيث قامت القوات الأمنية بمواجهة المحتجين و تفريقهم باستخدام القوة و خراطيم المياه، و هي المرة الأولى التي يحدث فيها صدام في الشارع بين قوات حفظ الأمن و المتظاهرين، نتج عنه عديد الإصابات في صفوف المحتجين، و نددت المنظمات الدولية بعمليات القمع التي باشرتها السلطات الجزائرية في حق المحتجين.
ما يحدث في الجزائر من تطورات يفرض علينا وضع رابط بينها و بين الوضع في المخيمات، حيث لا تزال الأوضاع تعيش الاحتقان بسبب الحصار الذي ضرب على الشعب الصحراوي، و بسبب أيضا تفاقم الوضع الإنساني الناتج عن تراجع المعاملات التجارية، غير أن الهاجس الأكبر اليوم ليس فقط قانون منع التنقل، بل مستقبل القضية الصحراوية ككل، خصوصا و أن الصحيفة البريطانية Middle East Eye تحدثت عن وجود ضغوط أمريكية تمارسها إدارة “ترامب” لفرض حل مستعجل على القضية الصحراوية بعيدا عن خيار الاستفتاء، و هذا يؤكد بأن الوضع العام بالمنطقة إنطلاقا مما يحدث في الجزائر و ليبيا ينذر سيجعل من المنتظم الدولي خارج الحياد و يفرض على الشعب الصحراوي حلا بقوة المصالح، و سيسلبنا إرادة الرفض و يترك لنا فقط خيار القبول.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك