بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
يوم قال “فرانسوا ميتران” أن أصعب مهمة سياسية في فرنسا، هي اختيار وزير للثقافة في بلد يقرأ أكثر من خمسمائة رواية جديدة كل سنة، فقد كان يتحدث عن النضج السياسي لحكومة دولة من أعظم الديمقراطيات في العالم… و أنا أراجع هذه المقولة، وجدتني أتساءل: يا ترى ما هي أصعب مهمة سياسية في الرابوني؟ هل بلغنا من المخملية ما يجعلنا كشعب لاجئ يقرأ بما يكفي ليحرج القيادة و يجعل مهمة الرئيس صعبة في تحديد وزير للثقافة؟ أم أننا لم نتجاوز بعد مرحلة التفكير في جوعنا و تأمين حليب أطفالنا و توفير خياما قد تدفع عنا في هذه الأيام القاسية برودة الطقس.. هل نمتلك ما يكفي من النخب في باقي القطاعات حتى يشغلنا اسم وزير الثقافة؟.. و كم يحتاج رئيسنا من السنوات ليفكر كما فكر “فرانسوا ميتران”؟..لم أجد وسط هذه التساؤلات غير جواب واحد و أعزل، يقول: يكفي أن القيادة كل ما استطاعت توفيره من المفاوضين لمحطة “جنيف” هم “خطري آدوه” و “أمحمد خداد” و “فاطمة المهدي” و “سيدي محمد عمار” و”محمد عالي الزروالي”.. فعن أي نخب نتحدث؟
كان هذا المدخل يشغلني فقررت طرحه قبل البدء في المقال الذي سأخصصه للمفاوضات المقبلة و ما توفره من فرص لهذا الشعب الكريم، و الظروف التي تحيط بمائدتها، و سر تمثيل الجزائر بوزير خارجيتها و اكتفاء الرابوني في المشاركة بقيادات الصف الثاني، لأن الوضع لم يسبق له أن كان مناسبا كما هو الحال اليوم من أجل وضع مشهد النهاية لمسرحية المعاناة التي عاشتها أجيال الشعب الصحراوي، و بلغنا فيها الجيل الرابع و لا نزال نتحدث عن سنوات قادمة و أجيال أخرى إذا ما فرطت القيادة في هذه الجولة و لم تنجح في فرض حل، سواء كان بالتراضي أم بالتنازل أم بالإرغام.. فلا يهمنا من هذا الصراع، غير الحصول على حل يمنحنا الحياة الكريمة بعيدا عن الخيام و الأسمال التي لا تزال تسكننا و نسكنها رغم أننا في بطن القرن الحادي و العشرين و في زمن التوهج الحضاري لا نزال لا نملك شارعا مضاءا.
و حتى لا أنفرد بنقل ما أفكر فيه وحدي إلى القارئ، فقد قررت أن أنقل ما قيل و ما يقال عن القيادة و طريقة تدبيرها لهذه اللحظات قبيل البدء في المفاوضات مع المحتل المغربي، بحضور جزائري و موريتاني عالي المستوى، حيث تتحدث نخب الشارع الصحراوي- سواء بالأراضي المحتلة و حتى بالمخيمات- عن الطريقة التي تمت بها تسمية المفاوضين، إذ يستغرب الجميع استثناء الوزراء و الدبلوماسيين دوي الوزن النضالي الكبير و تعيين غيرهم في هذه المهمة، فالشارع الصحراوي يستنتج من هذا أن الرئيس “ابراهيم غالي” لم يرسل أصحاب الكاريزمات ممن يملكون رأيا و يفضلون اتخاذ القرارات بشكل سيادي دون اللجوء إلى صديق أو شريك، و تعويضهم بمن لا يملكون رأيا و يحتاجون دوما للعودة إلى المرجع ليقرر عنهم.. و لا أتهم هنا أحدا حتى لا يساء فهمي.
من هنا ننتقل إلى التمثيل الجزائري الذي يحضر بمستوى عالي بقيادة “عبد القادر مساهل”، وزير الخارجية شخصيا، و أحد صناع القرار الدبلوماسي بقصر المرادية، و هذا ما يفسره الشارع الصحراوي على أن القرار لن يتخذ من طرف القيادة الصحراوية، بل من طرف الوفد الجزائري، فيما العدو المغربي قرر المشاركة بوفد متنوع يضم نخب من الصحراء المحتلة، و التي نجح في تدجينها و أيضا وزير خارجيته الذي تعرفه وفودنا الدبلوماسية جيدا و كذا رئيس مخابراته الخارجية.. و هنا مربط الفرس في المفاوضات، إذ يكاد يجمع الرأي العام الصحراوي على أن القيادة إذا ما رفضت الحوار مع الوفد المغربي بسبب وجود عناصر صحراوية منتخبة بالأراضي المحتلة، فهذا سيكون بمثابة القفز إلى الوراء، و الإصرار على تضييع فرصة ذهبية لحل القضية بشكل عقلاني.
فالنخب الصحراوية التي ترافق الوفد المغربي هي منتخبة و فرضت وجودها فوق مائدة التفاوض بقوة الديمقراطية التي لا نتوفر عليها إلى حدود الساعة في المخيمات، و ذاك موضوع آخر، و المهم أن تلك النخب التي سنفاوضها لا يجب اعتبار الحديث معها عقيما و أن القضية بيننا و بين العدو المغربي، و ليست بيننا و بين النخب الصحراوية المنحازة إلى الضفة الأخرى، بل وجب اعتبارها جزء من النظام المغربي و جاءت تدافع عن قناعاته، و أن تلك القناعات هي أيضا تعكس رأي فئة من الجماهير الصحراوية بالأراضي المحتلة ممن صوتوا لتلك الأسماء، و أن الحديث عن هذا الأمر يجب أن يكون بشجاعة سياسية و دبلوماسية، لأنه أمر واقع و لا اجتهاد فيه، و يحظى بدعم المبعوث الأممي “كوهلر” و مراقبي الأمم المتحدة.
و ما يجب التفكير فيه من زاويتنا خلال المفاوضات، هو كيفية إقناع العدو و باقي الأطراف بأننا نمتلك من الحجج ما يكفي لنصون حقوقنا من الضياع، سواء بسبب قوة العدو أو بسبب طول السنين و ذهاب الأمر و تفرق الكلمة بين نخبنا، ما علينا اليوم هو إفهام نخبنا سواء كانت من قيادات الصف الأمامي أم من الصف الخلفي.. أننا أمام فرصة تاريخية لا يجب إهدارها لمجرد أن أفكارنا تعود إلى الزمن الغابر، و لمجرد أن الوفد الجزائري يحضر هاته المفاوضات مع العدو لتصفية حساباته القديمة باستخدام مصالحنا أو لربما يرغب في شيء لا نراه نحن.. فنحن لا نريد أن نفاوض على مصالح الآخرين.. بل كل ما ننتظره من هذه الجولة، هو حل يكفل لنا الحياة الكريمة، و حين نحقق هذا المطلب سنفكر بعدها من يستطيع تحمل وزر حقيبة الثقافة.. فلولا تخلي فرنسا عن جلباب الماضي و تخليها عن صراعاتها مع جيرانها.. ما بلغت ذلك المستوى الذي تحدث عنه رئيسها ميتران.. صدقوني.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك