بـقـلـم : بن بطوش
تقول إحدى القصص الطريفة للحكام العرب الدواهي، أن أحد أعيان مجلس الحكمة، ممن تعود على الحضور ضمن مجلس الخليفة و كان قوي الحجة شديد البيان…، كان يجد صعوبة بالغة في نطق حرف الراء، فحاك له حساده في المجلس شرَكًا لسانيا على المقاس، و أفتوا على الخليفة أن يعتمد على سمعة الرجل الطيبة بين الناس و يرسله كي ينشر خبر يقول “أمر أمير الأمراء وزير الوزراء بحفر بئر في الصحراء كي يشرب منه الشارد و الوارد”، فصاح الرجل على الفور بين الحضور : “حكم حكيم الحكماء على نديم الندماء بشق جب في البيداء ليسقي منه الغادي و البادي”، فطنة و نباهة الحكيم أنقذت وجاهته داخل المجلس و جنبته سخرية الحاضرين…، هذه الرواية تشبه إلى حد كبير ما يجري في البيت الأصفر بين القياديين و رأيهم في الانتخابات المغربية التي تدور رحاها خلال الأيام الأخيرة، و خصوصا تلك التي تجري بالمدن الصحراء الغربية و المستأثرة بانتباه الشعب الصحراوي على الضفتين، و حتى لا يشمت فيهم الحبيب قبل الغريب، غيروا فجأة خطابهم و طالبوا من المواطنين المشاركة تحت ذريعة تمثيل القضية الصحراوية في المجالس الإدارية المدبرة للمدن المحتلة.
فإلى الأمس القريب كان القادة و المناضلين في الرابوني و بالأراضي المحتلة يواجهون هذه الانتخابات في كل محطاتها، بالدعوة إلى العزوف و إلى الامتناع عن التصويت، و إلى عرقلة العملية عبر الاحتجاج لدى المنظمات الدولية و الأممية و الحقوقية…، و نشروا البيانات في كل وسائل الإعلام و التهديدات باستخدام كل الأساليب المتاحة و غير المتاحة…، لعرقلة العملية التي كانت تتم وفق الضوابط الدولية و كانت تمر في أجواء تدفعنا لغبطتها و نمني النفس بتكرار تجربتها في المخيمات…، لكن هذه المرة بدا و كأن قيادتنا في المخيمات آمنت بالأمر الواقع و اقتنعت بأن مشاركة الشعب الصحراوي في الانتخابات التشريعية و الجماعية و تلك التي تتعلق بالغرف الصناعية و المهنية…، تعد بديلا لهذا الشعب الذي تضاءل حجم ايمانه في خيار الاستقلال، و أصبحت القناعة تميل إلى الاندماج الكلي و غير المشروط في المشروع الذي يروج له المحتل دوليا و جهويا.
ما نراه من مشاركة صحراوية بكل تفاصيلها النخبوية، في الاستحقاقات التي فرضتها سلطات الاحتلال على مدن الصحراء الغربية، سواءا تعلق الأمر بالنخب الصحراوية الثابتة على عقيدتها و المنتظرة للمعجزة، و التي حولتها الظروف السياسية الدولية إلى فئة مستضعفة و أقلية…، أو تلك النخب التي فهمت أسرار اللعبة مبكرا و فضلت الانتماء إلى الطرف الأقوى و المسيطر على ملعب الأحداث، و آمنت بالاندماج في النسيج السلطوي لدولة الاحتلال، أو الفئة الثالثة، و المتعلقة بنخب الظل، و التي لا فرق لديها بين من يحكم الصحراء الغربية و من يسيطر عليها، و كل غايتها أن تعيش في هدوء و طمأنينة…، كل هذه الفئات التي انظم إليها الجيل الثالث و الرابع من الشباب الصحراوي، بتبنيهم خيار المشاركة في الانتخابات تحت سلطة إدارة الاحتلال المغربية، يكونوا فعلا قد قرروا –بشكل ضمني- مصير هذا الوطن السليب، و اختاروا بلا رجعة بقائهم تحت سلطة الرباط، و قوضوا حق اللاجئين داخل المخيمات في أي خيار مرتبط بتقرير المصير.
حجتنا على هذه النتيجة، و دليلنا أن نخب الصحراء الغربية زاغت عن نهج الثورة الصحراوية و فضلت بأغلبية الرأي بقاءالوطن تحت سلطة الرباط…، هو ما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعية، إذ يمكن بكبسة زر الحصول على الحجج و الأدلة التي تؤكد الأمر، ذلك انه – إلى الأمس القريب – انقسم القادة في البيت الأصفر إلى فئتين؛ فئة تطالب بمشاركة الصحراويين في الاستحقاقات و الحصول على تمثيليات داخل الإدارة المغربية للأقاليم الصحراوية المحتلة بل و يشجع بقوة على الأمر، و هذه الفئة تعتقد أن بهذا الأسلوب سوف يخفف الاصطدام بين النخب الصحراوية على الضفتين من جهة، حيث تظهر المشاركة في الاستحقاقات كما لو أنها خطة مدروسة و أنها بمباركة من الرابوني، بينما الواقع أن القيادة تحاول الركوب على موجة الهجرة الجماعية من الطرح الصحراوي إلى الطرح المغربي، و فئة ثانية تطالب بتخوين المشاركين و هي الفئة الناقمة على النخب الصحراوية التي كان لها رؤيا نافذة و عرفت من أين تؤكل الكتف.
لكن الأخطر هو الرأي الذي يروج له النشطاء الصحراويون و المدونون و المؤثرون، حيث يفضل بعضهم المقارنة بين القضية الصحراوية و القضية الفلسطينية، و يطالب بتكرار تجربة النواب الفلسطينيين الذين يناضلون من داخل الكنيست الإسرائيلي، و هنا تدخل المقارنة مرحلة الخطورة، لأن لا الوضع و لا السياق يسمحان بتكرار التجربة الفلسطينية، لانتفاء أوجه التشابه، على اعتبار أن الفلسطينيين هم على الأقل ليسوا بلاجئين و هم فوق أراضيهم و لديهم سلطة فلسطينية رسمية تدير الأحداث من داخل فلسطين…، بينما نحن – و إلى حدود كتابة هذه الأسطر- لا نعرف من يدير مفاتيح الحكم في الدولة الصحراوية، مع العلم أن الأخ القائد لا أحد يعرف مصيره في كوبا، و الإعلام الإسباني يرجح فرضية وفاته، فيما خرج بيان من مستشفى “عين النعجة” منسوب إلى الأخ القائد يتهم فيه الأمين العام الأممي بعدم حماية المناضلين الصحراويين، ليبقى السؤال من يدبر الشأن الصحراوي في هذا الظرف الحساس ؟
هنا نجد الرأي-الجواب للنخب الصحراوية المشاركة في الانتخابات التشريعية و الجماعية بالأراضي المحتلة، و الذين يبررون مشاركتهم المكثفة و التي تتجاوز 75%، أنها من أجل صناعة مصير صحراوي بأيدي صحراويين…، على عكس ما يجري في أرض اللجوء، حيث تتخذ القرارات بعيدا عن الرابوني و ترسل عبر الإيميلات إلى القيادات، من أجل التنفيذ فقط، حيث يقول عدد من الشباب في مدينتي العيون و الداخلة المحتلتين، أن مرض الأخ “إبراهيم غالي” عرى الكثير من الحقائق و أن الحرب المفروضة على الشباب الصحراويين زكت هذه الحقائق، بأن القضية الصحراوية أصبحت مجرد أداة جزائرية لمحاربة المغرب، و أن وقود هذه المعارك هم الشباب الصحراوي، و يضيف أنه على الأقل في الضفة التي يتحكم فيها المحتل لا يفرض على الشباب الصحراوي المشاركة في الحرب، و دفع تكاليفها الباهظة من الأرواح، فيما في ارض اللجوء التي قصدها الصحراويين حفاظا على حياتهم بعد اقتناعهم بخطاب الثورة، أصبحت اليوم مكانا غير آمن و أرض جنائز.
أتوقع أن هذه الانتخابات ستمنحنا لحظة تأمل و ستمنحنا القدرة على التقييم الحقيقي و النزيه لقضيتنا و دولتنا و تجربة حكمنا…، التي أنفقنا عليها من أعمارنا و أرواحنا و دمائنا ما يكفي، لكنها اليوم تستخدم لأجل أمر لم نكن يوما نريده، و يجب على القيادة الفهم بأن مستوى المشاركة المرتفع لا يعني أن الصحراويين في الصحراء الغربية اختاروا فعلا الجهة الغالبة للوقوف معها، بل أنهم يؤمنون بخطأ العقود المنقضية في صراع طويل بلا أمل، و يسعون لتعوض ما فاتهم…، و هنا مصيبة قيادتنا ، أنها فقدت جيلا بأكمله…
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك