الإعلام الجزائري و بروباغندا التهويل العسكري: هل هي محاولة لتلميع صورة الجندي؟ أم سعي لصناعة وعي وطني متطرف؟
بـقـلـم : بن بطوش
لا يزال الإعلام الجزائري يصر على منح الرأي العام الداخلي و الخارجي صورة مهينة عن المواطن الجزائري؛ فبعد فرية السفير الجزائري في فرنسا الذي ألصق نعت اللص بأبناء بلده و تفاخر بهذا “الامتياز” داخل المجتمع الإنساني، و نشرت جريدة “الشروق” قصة اللص الجزائري النبيل الذي قرر إرجاع المسروقات للفلسطينيين بباريس لكونه إنسانا “ثوريا”…، تعود المنابر الرسمية في الدولة الحليف الجزائري لنشر مقاطع مصورة من تداريب بعض الجنود الجزائريين و هم يلتهمون اللحوم النيئة و الدماء تسيل منها، في محاولة لإظهار قوة الجيش، لكن الرسالة لم تصل كما يجب و منحت المتلقي صورة أن الجندي الجزائر يتصرف بالغريزة الحيوانية و أنه أقرب إلى الوحوش و تم تدريبه ليكون عدوا للحضارة الإنسانية…، و أن المؤسسة العسكرية في الجزائر لا تواكب العصر و تكنولوجيا الحروب الجديدة، بل تصنع مقاتلين جدد مثل “الزومبي” متعطشون لالتهام اللحوم النيئة و بالغين مستوى عال من الهمجية.
المقاطع التي أثارت اشمئزاز العديد من النشطاء الجزائريين داخل البلاد و خارجها، علق عليها خبراء دوليون على مواقع التسليح و التحليل الإستراتيجي، متسائلين إذا ما كانت المؤسسة العسكرية الجزائرية تخدر الجنود ليقوموا بتصرفات غير إنسانية، و بأن ما تقدمه من صورة عن الجيش الجزائري، ربما هو إصرار على إظهار عقيدتها المتطرفة و أسلوبها الراديكالي في تدريب الجنود و تنزيلهم مرتبة الحيوان.
و أضافوا أن تلك المقاطع لا يمكن العثور عليها في تداريب الجيوش القوية عبر العالم، حيث تجد أن الولايات المتحدة الأمريكية – وهي أقوى دولة في العالم- تحاول دوما في أفلامها و في ربورتاجاتها إظهار الجندي الأمريكي و هو يوزع الورود على الأطفال في العراق بشكل إنساني و لطيف، و يحمل خلف ظهره حقيبة العجائب العسكرية التي تعتبر مطبخا و غرفة نوم و مستشفى متكامل، و فوق رأسه خوذة ذكية مربوطة بتكنولوجيا الاتصال عبر الأقمار و منظار ليلي و سماعات بلوتوت، و مصحح رؤيا…، و على كتفه سلاح اشتباكات فردي رشاش، في إشارة إلى استعداده لرد أي اعتداء، و في خلوته يظهر لنا هذا الجندي الأمريكي الحديث و هو يقرأ كتابا… فلماذ لا تتوفر الجزائر على جندي مماثل يمتلك ثقافة و فن الحروب و ليس غريزة الحروب؟
الإعلام في الجزائر مرة أخرى يخلف الموعد و يصر على تسويق الصورة الهمجية /الحيوانية للجندي الجزائري خلال كل استعراض، و تنشر المؤسسات الإعلامية في الجزائر بتوجيه من المؤسسة العسكرية مقاطع لجنود بوزن زائد، و مطلي بزيوت المحركات ذات اللون الأسود و هو يصرخ و يركض هائجا و متوترا و يصطدم بالجنود أو المجسمات، و كأن المؤسسة العسكرية لا زالت تعيش حروب القرون الغابرة، حتى نساء الجيش في الجزائر تم تصويرهن خلال الاستعراض الأخير في الذكرى الستينية لتأسيس الدولة الجزائرية، و هن يحملن جذوع الأشجار في إشارة إلى قوتهن و تحملهن، حيث علق النشطاء على صور الجندية الجزائرية و هي تصرخ حاملة جذع شجرة، بأن ما تراه المؤسسة العسكرية الجزائرية إنجاز لبطلاتها الخارقات، هو مجرد روتين يومي لدى النساء القبايليات في قمم الجبال، حيث تحملن يوميا عشرات الجذوع الثقيلة يتجاوز وزنها نصف قنطار، و يمشين بها للكيلومترات كي يشعلن نار الطهي.
حظ الإنسان الجزائري اليوم من المادة الإعلامية لبلاده يخيف مثقفي هذا البلد الحبيب بشكل مرعب، لأن الخط التحريري يظهر التوجه المتطرف للإعلام و يكشف هامش ضيقا جدا لحرية الوعي في الخطاب الإعلامي، بمعنى أن الإعلام يكرر الصور و الخطابات بشكل مستمر و نمطي لترسيخها، بدءا من نظرية المؤامرة و الأيادي الخارجية و مرورا بخطابات القوة الإقليمية و الإستراتيجية…، انتهاء بخطاب دعم الثورات و التحكم في الأحداث داخل الدول المنهارة كليبيا…، و هذا التوجه الإعلامي في الخط التحرير للحليف أثر أيضا على الخطاب الإعلامي في الدولة الصحراوية، فمثلا خلال سرقة سيارة مدير الإستخبارات في الدولة الصحراوية، و بعد معرفة الأسباب و الحيثيات ثم تحوير الحادث ليتحول إلى مؤامرة، فيما أن الحادث الكل يعلم أن مرتبط بتصفية حسابات بين المهربين المعيشيين المحكوم عليهم بسنتين و غرامات مالية و قيادة الدولة الصحراوية، و أن القيادات تصلها يوميا عشرات التهديدات باستهداف أسرهم و مصالحهم.
هناك مؤشرات ندرجها تؤكد فشل الإعلام داخل الجزائر و حتى بالمخيمات على إنتاج رأي عام وطني ذكي و بوعي كامل، و له القدرة على التحليل البرغماتي خارج العاطفة و الوطنية و صناعة الرأي الخاضع للمنطق، لكن في الواقع هذا الفشل يراه مثقفون جزائريون أنه نجاح مريح للمؤسسة العسكرية الجزائرية، التي حصلت على شارع سريع التأثر بالأحداث، و يسرد المثقفون عينة من تأثير الإعلام على الشارع الجزائري عبر تحليل نكسة إقصاء الفريق الوطني الجزائري من كأس العالم، و ما خلفه من صدمة يصعب نسيانها و حول الحدث لعقدة خطيرة في قلب الإنسان الجزائري، الذي أقنعه الإعلام بأن المنتخب الجزائري مكون من محاربين كالذين يأكلون اللحوم النيئة، و أنه فريق لا يقهر و جعل المواطن البسيط يصرح برأيه على أن “كأس إفريقيا في الجيب.. و كأس العالم في الجيب.. رغم الصعوبات”، و نسي هذا الإنسان أن البرازيل و ألمانيا و فرنسا… تخسر مقابلات مع فرق ضعيفة.
و شاهدنا جميعا مقاطع من الاستعراض العسكري الأخير في شوارع الجزائر و كيف يهتف المواطن الجزائري عند رؤية الدبابات أمامه، فيصيح دون وعي : “كحل … كحل يالمروكي”، في إشارة منهم إلى أن الجيش الجزائري أسس لهدف واحد و أوحد، و له مهمة طاهرة و مقدسة هي تدمير دولة المغرب و رفع علم فلسطين، لكن نفس المواطن لا يعرف أن العتاد الذي رآه خلال الاستعراض، قد فشل في الحرب الأوكرانية و في حرب كراباخ و في العراق… و أن روسيا أشركت أعداد كبيرة جدا منه و بنسخ أكثر تطورا، و عجزت عن حسم الحرب الأوكرانية لصالحها، و أن منتجا غربيا واحدا تمثل في صواريخ السهم “الجافلين” الأمريكية، ترتكب كل يوم مجازر في حق تلك الدبابات و تحولها إلى ركام معدني تحترق بداخله الجثث، و أن الروس ذهبوا إلى إيران للتعاقد على مسيرات بدائية من أجل الحفاظ فقط على مكاسبهم الميدانية و عدم الاضطرار الانسحاب.
نعود إلى الصور النمطية عن الجندي الجزائري القريب من “الزومبي” الآكل للحوم النيئة، القوي العضلات و الضخم الجثة، و نسرد عدد الحروب التي شارك فيها منذ تأسيس الدولة الجزائرية إلى الآن، و نجرد الحروب التي انتصر فيها، لنفاجئ أنها كانت حرب واحدة مباشرة و أربعة حروب غير مباشرة؛ أما الحرب المباشرة فكانت ضد العدو المغربي، حيث اصطدم الجيشان في حرب الرمال سنة 1963، و الجميع يعرف تفاصيلها و كيف انتهت و ما خلفته من جراح في نفوس الجزائريين إلى اليوم تحت مقولة: “حكرونا لمراركة”، ثم حرب أمغالا الأولى و الثانية رفقة الجيش الشعبي الصحراوي و هي حروب غير مباشرة، و فشل خلالها الجيش الجزائري في الدخول إلى الصحراء الغربية و إفتكاكها من المحتل المغربي، بل تسببت معركتي أمغالا في هلاك عدة جنود بين الطرفين، و أسر خلالها المحتل العديد من الجزائريين، و تقول الرواية أن الراحل “القايد صالح” فر من تلك الحرب و القائد الحالي “شنقريحة” تم اعتقاله و أطلق سراحه بوساطة من مصر، ثم حرب سنة 1967 ضد الكيان الإسرائيلي، إذ حسب المصادر المصرية فإن التجريدة الجزائرية وصلت إلى جبهة القتال متأخرة بعد توقف المعارك بيومين، و أخيرا حرب أهلية داخل الجزائر عرفت بـ “الحرب القذرة” أو “العشرية السوداء”، سأترك الحكم فيها للقارئ الصحراوي الذي عايشها بكل جوارحه.
تمجيد الجانب الحيواني في الجندي الجزائري الغاية منه ليس إخافة الأعداء و حسب المعارك بالصدمة النفسية…، لأن الحروب الحديثة لن تكون على شاكلة جيش المغول التي سيطر على كل آسيا و جزيرة العرب، بل هي ضد التفوق التكنولوجي و يحسمها الذكاء الصناعي، و أن الغاية من تلك المشاهد هو منح المواطن الجزائري البسيط تلك الصورة التي تقول بأن الجيش الجزائري هو الأقوى على وجه الأرض، و ما شاهده من مقاطع مصورة للجندي الجزائري الذي كان يصرخ السنة الماضية و الدموع في عينيه و هو يصيح خوفا من النيران التي شبت في الغابات بمنطقة لقبايل الانفصالية، و ما تسببت فيه تلك الحرائق في إضعاف معنويات الجيش و المواطن كانت مجرد سحابة صيف لن تكررها الأحداث مرة أخرى…، فهل هو دجل إعلامي أم حربا بالصوت و الصورة من حقبة ثنائية القطبية و توازن الرعب ؟
إبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك