مدريد تعلن بدأ ضخ الغاز عكسيا نحو الرباط و تلمح لتورط الجزائر في في هجوم أفارقة على سياج ثغر مدينة مليلية
بـقـلـم : بن بطوش
و بينما نحن على هذا الموقع الحر نعد لمقالنا الاستقصائي حول الأحداث المفجعة التي وقعت على حدود ثغر مدينة مليلية، و خلفت ضحايا من المهاجرين و إصابات بين قوات الأمن المغربية و الإسبانية…، نشرت وكالة الأنباء الإسبانية خبرا تعلن عبره حكومة “سانشيز” البدء في ضخ الغاز بشكل عكسي عبر الأنبوب المغاربي الذي رفضت الجزائر تجديد عقده، لتكون بذلك مدريد قد اختارت بشكل نهائي الانقلاب على العلاقات مع الجزائر و رفضها أي تنازل في الأمر، رغم التهديدات التي ساقها “عمار بلايني” بمعاقبة إسبانيا في حالة تنفيذ الاتفاق مع الرباط التي حصلت على ملكية الأنبوب المتواجد فوق أراضيها، دون أن تنفق عليه فلسا واحدا، فيما كانت استثماراته قد كلفت الدولة الجزائرية أزيد من أربعة ملايير دولار.
و على الرغم من أن إسبانيا أعلنت عبر وكالة أنبائها الرسمية بأن الغاز الذي سيضخ في الأنبوب ليس جزائريا و أن المغرب يشتريه من السوق الدولية، إلا أن هذا الإعلان يظل مجرد كلام لا يمكن إثباته، لأن الخبراء عبر العالم يقولون أن الغاز لا يمكن تحديد مصدره أو التأكد من منشأه في حالة التخزين، و التسريبات التي وصلت إلى الإعلام الإسباني تقول بأن مراكز التخزين و التسييل الإسبانية مندمجة و لا يمكن فصلها، و أن الغاز سواء تم شرائه من السوق الدولية أو تم الحصول عليه عبر الأنبوب الجزائري المباشر، سيخزن جميعه في منطقة واحدة و أن الصهاريج يتم ملئها بنظام ضخ رقمي معقد يعتمد أسلوب الملء بالتسلسل، و ليس بنظام الحصص، أي أنه لا يتم ملئ الصهريج الفارغ جزئيا حتى و إن كان الغاز ليس من نفس المصدر، و أن المرور إلى ملئ الصهريج الثاني يكون بعد إنهاء ملئ الأول بطاقة احتواء كاملة…، و هذا ما يفسر تعليق النشطاء الجزائريين على الإجراء الإسباني عبر حساباتهم بالقول: “هاو المروك عاود حشاها لنا”.
اختيار الإسبان إعلان بدأ التدفق العكسي في هذا التوقيت لا يرتبط بالسوق الطاقية في العالم أو بالتعديل الذي خضع له الأنبوب ليتلاءم مع وظيفته الحالية، بل بالظرفية التي تمر منها العلاقات الإسبانية – الجزائرية، و رغبة مدريد في دفع الخلاف إلى أقصى قدر ممكن لجر الجزائر إلى الخلاف مع الإتحاد الأوروبي و إلحاق العقوبات بدولة الشهداء…، و الدليل أن عمليات الضخ – حسب الإعلام الإسباني- كانت قد بدأت مباشرة بعد حصول الاتفاق بين مدريد و الرباط، و أن الأمر كان طي الكتمان، لكن بعد أحداث مليلية و هجوم المهاجرين و كشف الرباط بعض المعطيات الإستخباراتية التي تورط الجزائر، حاول الإسبان استفزاز قصر المرادية بهذا الإعلان، و ترك النظام الجزائري يقدم على حيرة التهور و التي ستقوده إلى اللغم المتفجر.
هذه المعطيات لا يمكن فصل أحداثها عن الصراع بين الرباط و الجزائر و اسبانيا، حيث تدفع جلها باتجاه كشف تورط الجزائر في الأحداث و تدبيرها، كما جاء في التقرير الأوروبي الذي اعتمد على مصادر من أجهزة الأمن الإسبانية و المعلومات التي وفرتها الأجهزة السرية المغربية، و المقاطع المصورة للأحداث التي قدمتها الرباط للمنظمات الدولية، و في مقدمتها الأمم المتحدة و المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان و الدول المشاركة في اجتماع “الناتو” و سفراء الدول الإفريقية بالمغرب…، تتضمن اعترافات من أفارقة يحملون الجنسية السودانية، و يؤكدون أنه تم إدخالهم إلى المغرب عبر الحدود الشرقية مع الجزائر و أنه تم إحضارهم من ليبيا بواسطة جزائريين يتحدثون اللكنة الأزوادية، حيث كانوا يعملون كمرتزقة في الحرب هناك، و طلب منهم تأطير المهاجرين الأفارقة المرابطين بمغنية و الذين يتجاوز عددهم الـ 30.000، ثم الانتقال لتأطير المهاجرين بالمدن المغربية و تحفيزهم بالمال و الوعود، و بوجود من سيتدبر أمرهم في حالة الوصول إلى الضفة الأخرى، و أن ما يفرق بينهم و بين الإلدورادو الأوروبي هو العبور بأي ثمن للسياج على حدود ثغر مليلية.
المعطيات و الاعترافات التي قدمتها السلطات المغربية، يبدو أنها أقنعت دول أوروبا و زادت من وشائج الصداقة بين الرباط و الإسبان، و أكدت تورط الجزائر التي بدأ ينظر إليها كدولة تسعى لزعزعة استقرار الدول المحيطة بها، و الأكثر من هذا فقد تسبب الحادث في تسليط الضوء على المواقف الجزائرية، حين عارضت طرد المرتزقة من دولة ليبيا، و أيضا حينما اتهمتها مصر برعاية بيضة الإرهاب في الشرق الليبي…، و التهديدات المتواصلة من النظام الجزائري للمشير “خليفة حفتر”…، حتى أن نوعية التسليح الذي عثر عليه لدى المهاجمين الأفارقة الذين استهدفوا السياج الفاصل، يدل على الاستعداد الجيد و التنسيق العالي، و الدراية بحروب الشوارع.
هنا نمر إلى المرحلة التي نناقش فيها أوجه التورط الجزائري، حيث أن أزيد من أربعين منظمة مقربة من قصر المرادية كانت على استعداد للإدانة و كأنها على علم مسبق بما سيقع، و لم تنتظر أي تفسيرات و بادرت بنشر البيانات، و وصفت ما وقع بالمجزرة و الاستعمال المفرط للقوة ضد المهاجرين، فيما أن نفس المنظمات لا تتحرك ضمائرها عندما يتعلق الأمر بعمليات تصفية داخل المخيمات للمنقبين من بني جلدتنا، أو في قضية الاختفاءات القسرية و لم يبق لها أن سلطت الضوء على مشاكل الحياة القاسية داخل فيافي تندوف حيث تغيب شروط العيش الكريم…، و فجأة يصبح الإنسان الإفريقي محور اهتمامها…
ما نعيبه على الحليف الجزائري في هذه النقطة يعود إلى مسألتين؛ الأولى تكلفة العملية سياسيا على السمعة الجزائرية و الثانية نتائجها المستقبلية، لأن الجزائر عند تورطها في عمليات إستخباراتية كهذه، تتصرف بمنطق النعامة، تستطيع إخفاء رأسها فقط بينما تترك جسدها مكشوفا للعيان، و يسهل الاستدلال عليها…، و هذا ما جعل الرباط تنجح في قلب الطاولة على الجزائر كما فعلت سابقا في قضية اكديم إيزيك، فقد هيئت مرة أخرى ملفا متكاملا، و راسلت جميع دول العالم، و في ظرف ضيق جدا لا يتجاوز 24 ساعة، تحولت سفارات الرباط عبر العالم إلى خلايا نحل تشتغل بسرعة قصوى، و وتواصلت مع كل الحكومات دون استثناء، و هذا ما يفسره عدم تجاوب مجلس الأمن إلى الآن مع طلب كينيا، بالسرعة و الأهمية المطلوبة، بل أن اجتماعا أوروبيا عقد على عجل بطلب من الرباط و إسبانيا لتدارس الأمر، خلص إلى أن الإتحاد الأوروبي يقدم كامل دعمه للرباط و إسبانيا للقيام بالمتعين من أجل محاربة الهجرة غير الشرعية، و بذلك تكون الرباط قد حصلت على الموقف الأوروبي كاملا غير منقوص كي يدعمها خلال اجتماع مجلس الأمن، كما أن هذا الإتحاد على وشك تخصيص ميزانية ضخمة للرباط لمساعدتها على توفير المستلزمات لمحاربة الظاهرة، و سيترافع الإتحاد الأوربي في الأمم المتحدة كي تحصل الرباط على الدعم اللوجيستيكي و المادي لمحاربة الهجرة السرية.
كنا نتمنى أن يكون الفتح المخابراتي الجزائري على قدر من الدقة و النجاعة، لكن يبدو أن الجيل الحالي في الأجهزة السرية الجزائرية لا يزال يفكر بأسلوب سنوات الحرب الباردة، و أن كل إجتهاداته تقوده للضغط على الأزرار الخطأ، و عوض أن يخلق شرخا في العلاقات بين إسبانيا و الرباط و بين الإتحاد الأوروبي و المغرب، فقد زاد من تمتينها و جعل الإتحاد الأوربي يعي ضرورة دعم المغرب في كل قاضياه حتى يصمد أمام موجات الهجرة السرية و يعين أوروبا على حماية سواحلها…، و منح الرباط دور الدركي الذي يحمي أوروبا الخائفة من غزوات المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء، و الأكثر من هذا فالحليف الجزائري مع كامل الأسف أصبح علامة أو ماركة للتخريب و زعزعة الاستقرار في المنطقة…، و هذا أخطر ما حصل عليه الحليف من نتائج.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
|
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك