بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
يقول مؤرخ الكرملين، أنّ عرافا ألح على مقابلة “جوزيف ستالين”، زعيم الإتحاد السوفياتي سابقا، فسأل هذا الأخير مدير مكتبه عن سبب طلبه هذا، فأجابه بأن العراف يدعي قدرات خارقة و يستطيع الإطلاع على المستقبل، و أن أمرا جللا يتربص بك و بالإتحاد السوفياتي و جاء لإطلاعك عليه، فقال له “ستالين”: “أقتله”، بعد تعجب… نفذ مدير المكتب أمر الزعيم و أرسل العراف مع كتيبة الإعدام، ثم عاد إلى “ستالين” و سأله: لماذا أمرت بإعدامه، و هو جاء محذرا فقط،، فأجابه أنه مجرد دجال و ليست لنا حاجة إلى حماقاته و أجهزتنا تعمل جيدا و تحمي الوطن، و لو أنه فعلا كان يعلم الغيب لأدرك أن في مجيئه إلينا هلاكه و لما زارنا…
هذا الحادث التاريخي أسوقه لأشرح لقادتنا في المخيمات كيف يتم رسم الحدود بين الواقع و الخيال في تسيير الأمم، و كيف يهلك الدجل أصحابه و يقضي على أحلامهم…، و لي أمنية في أن يبلغوا زعيمنا الراقد بين الحياة و الموت في إسبانيا، أن القادة الحقيقيين لا يؤمنون بالشعوذة السياسية، و لا يبنون مشاريعهم على وهم الرجم بالغيب، و لا يصنعون المستقبل من غموض التأويلات، القادة الحقيقيون هم أناس يؤمنون بالتعب و العمل لتحقيق الأهداف…، ذلك أن الأخطاء الدبلوماسية التي يرتكبها المدافعون من ملف نزاعنا ضد المحتل المغربي، مرة أخرى تمنح خدمة عظيمة للرباط، و أن الحملة الإعلامية العشوائية لصحافتنا و صحافة الحليف، هي من دفعت بوزير خارجية أمريكا للخروج من المنطقة الرمادية و التخندق خلف المغرب و دعم مشاريعه التوسعية بالصحراء الغربية.
فلنعد أولا إلى تجميع المعطيات و ترتيبها، و بالضبط إلى مرحلة الفترة الانتقالية بين الرئيس المنهية ولايته “دونالد ترامب”، و الرئيس الحالي “جو بايدن”، و الزيارات التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي “بومبيو” إلى الرباط، و بالضبط لقاءاته المتكررة مع مدير المخابرات الداخلية، “عبد اللطيف حموشي“، و اختياره في عيد تأسيس الخارجية الأمريكية الـ 231 كضيف فوق العاة، و التنويه في الخرجات الإعلامية بعلاقات التعاون التي تربط واشنطن بالرباط، في محاربة الإرهاب و التطرف و الظواهر المهددة لأمن الأمم و الدول و الجرائم العابرة للحدود.
بعد أسابيع قليلة من هذا الاحتفاء، تبلغ الأجهزة المغربية نظيرتها الأمريكية عن اكتشافها لطفرة متحولة داخل الجيش الأمريكي مصابة بلوثة الإرهاب الداعشي، فتنقذ بذلك الجيش الأمريكي من شلال دم، بعد تعرية أهداف الإرهابي الذي كان يتربص بأصدقائه من الجنود، بعدها تشكر أمريكا جهاز “الديستي” لدولة الاحتلال و تثني عليه، و مباشرة بعد ذلك نفس الأجهزة تمنح فرنسا معلومات أمنية تجنب البلاد مجزرة إرهابية…، وسط هذه الضربات الاستخباراتية، تتحرك دبلوماسية الحليف الجزائري لخلق بعض التوازن المفقود منذ الاعتراف الأمريكي بـ “سيادة المملكة المغربية على الصحراء الغربية”، و تبدأ في التودد للأمريكيين، و تنطلق الآلة الإعلامية في الجزائر و الرابوني و تنشر أنباء على نية إدارة الرئيس “بايدن” مراجعة قرار الاعتراف لرفع مستوى الضغط على السفارة الأمريكية في الجزائر، و بعد اتصال “صبري بوقادوم” تصاب قيادتنا في الرابوني ببعض الغرور، و هي تقرأ تدوينة كبير الدبلوماسيين الجزائريين الذي قال فيها بأنه “تباحث مع نظيره الأمريكي “أنتوني بلينكن” حول قضايا ليبيا و الساحل و القضية الصحراوية”…، و تنشر لنا هذه الصحافة قراءات من المستقبل تفيد بتخلي أمريكا عن الاعتراف المزعوم.
بضع ساعات بعد التغريدة التي كتبها “بوقادوم” و التي أثارت زوبعة إعلامية في صحافة دولة الاحتلال المغربي، ينشر وزير الخارجية الأمريكي تغريدة على تويتر كرد على ما قاله “بوقادوم”، تحرج كبير الدبلوماسيين الجزائريين، حيث نفى “أنتوني بلينكن” أي تطرق لقضية الصحراء الغربية مع نظيره الجزائري، و رغم ذلك لم تتوقف ردود الأفعال في دولة الاحتلال على كل المستويات، و بالتزامن مع هذه الأحداث نشرت اللجنة الأمريكية للشؤون العامة الإسرائيلية “آيباك”، أنها ستستضيف وزير الخارجية المغربي “ناصر بوريطة” في الـ6 من مايو بواشنطن، هذه المنظمة التي تمثل اللوبي الاقتصادي و السياسي الأقوى في الولايات المتحدة.
حتى الآن لم تكتمل الصورة و لا يزال ينقصنا عنصر أخير يشرح أسباب نكبة تأكيد الاعتراف الأمريكي، الذي أحرج إعلامنا و قيادتنا و دبلوماسية الحليف، و يتمثل في قرار أمريكا الانسحاب من أفغانستان، و علاقة ذلك بالرباط، فبعد أن تمكن المحتل بأجهزته السرية من الوصول إلى الخلية الإرهابية النائمة داخلة الجيش الأمريكي، و كشفه للمشروع الذي كان يحمله الذئب المنفرد داخل الجيش الأمريكي، خلصت الولايات المتحدة الأمريكية إلى حقيقتين (حسب ما نشر في الإعلام الأمريكي): الأول أن الإرهاب لم يعد تقليديا و لم يعد يتمثل في “داعش” و أخواتها أو في “القاعدة” و فروعها، بل أصبح أكثر تغلغلا في المجتمع الأمريكي و أصبح لديه القدرة على إقناع حتى الجنود الأمريكيين المدربين على الحصانة من خطاب التطرف، أي أن الإرهاب تحور ليصبح أكثر وصولا للمؤسسات الحساسة، و أن حربه لا تحتاج إلى المرابطة بالجيش في جبال قندهار و تعقب أثار طالبان، بل إلى تطوير أسلوب جدبد، و أن الرباط تمكنت من فهم الطفرة المتحورة للإرهاب و استطاعت أجهزته وضع مقاربة ناجحة تحميها من خطره.
و الثانية أن الأمريكيين اكتشفوا متأخرين أنهم حينما انغمسوا في محاربة أشباح الإرهاب في جبال أفغانستان غفلوا عن المردة الاقتصاديين، و اكتشفوا بعد حين أن الصين التي لم تتورط في أي حروب، و مقدراتها لم تنفق على تحريك الأساطيل، استثمرت في البنية التحتية و الاقتصاد و هي الآن تهدد عرش أمريكا الاقتصادي، فقررت أمريكا الانسحاب من أفغانستان و الاستعانة بتجربة الرباط في حربها ضد الإرهاب و ادخار مواردها للجيل الخامس من الحروب.
هذا الكم من المعطيات كان فقط لنفهم تلك المكالمة الهاتفية التي جرت بين وزير الخارجية الأمريكي و نظيره من دولة الاحتلال المغربي، و حتى نقول أن سحب الاعتراف الأمريكي يبدو في ظل هذه المعطيات شبه مستحيل، لأن الاعتراف نفسه مبني على تراكمات لا نستطيع نحن و الحليف جمع خمسها في العلاقات، ليس مع أمريكا بل مع أي دولة في العالم خصوصا في ظل تراجع تأثير المحروقات على قرارات الدول الغربية، و أضيف إلى هذا التشاؤم توقعي بأن يثور العالم في وجه إسبانيا و الجزائر بعد تاريخ 6 ماي، أي بعد أن تستضيف منظمة “أيباك” وزير خارجية الرباط…، صدقوني هذا التاريخ حاسم و سيقلب أوروبا رأسا على عقب ضد إسبانيا و الأخ “بن بطوش”، خصوصا و أن خبر نشرته وكالة الأنباء الإسبانية EFE، تقول فيه بأن قاضي التحقيق أمر بالاستماع للأخ القائد يوم الأربعاء 05 ماي 2021 …..
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك