بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
يحصل أن تخرج الأحداث عما أردناه لها و ما شقينا في تدبيره، فيتغير طريقها و تلتف على رقابنا و نجد أنفسها نتواجه مع خياراتنا، إذ تقول “أحلام مستغانمي” – الأديبة الجزائرية الرائعة و الأنيقة :”عندما نراجع حياتنا نجد أن أجمل ما حدث لنا كان مصادفة وأنَّ الخيبات الكبرى تأتي دومًا على سجاد فاخر فرشناه لاستقبال السعادة…”، ذلك أن الحليف الجزائري و بينما هو يُعدُّ لعملية مخابراتية دقيقة، يتم فيها علاج الأخ القائد “إبراهيم غالي” فوق التراب الإسباني بسرية تامة و بهوية مزورة، و الانتهاء من الأمر بعد ذلك و إعادته إلى المخيمات، ثم بعد ذلك تسريب الخبر لتفجير أزمة بين الرباط و مدريد، و تسجيل العملية في سجل الإنجازات العظيمة للأجهزة السرية الجزائرية المشتغلة تحت إمرة، “نور الدين كري”، القائد الجديد لجهاز DDSE…، غير أن العملية تحولت بين ليلة و ضحاها إلى نَيرٍ يوثق ذراعي القائد الراقد بين الحياة و الموت، و تسبب انكشافها في إحراج عظيم للدبلوماسية الجزائرية و الحكومة الإسبانية، و منح المحتل المغربي فرصة العمر لمحاصرة مدريد و إخضاعها و إذلالها و إرغامها على الاستجابة لمشيئة الرباط.
و حتى لا نكرر سرد الأحداث و نطنب في البكائيات على ما تسبب فيه تهور الحليف بنقل الأخ القائد إلى إسبانيا للعلاج، فسنذهب مباشرة إلى آخر مستجد في قضية ما أصبح يعرف إعلاميا بقضية “بن بطوش”، حيث عممت وزارة خارجية دولة الاحتلال في وقت متأخر من يوم الجمعة 07 ماي بيانا حارقا، خاليا من لغة التودد و المهادنة و مليء بالمصطلحات القوية و يتضمن لهجة تصعيدية ناذرة في تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين مدريد و الرباط، تذكرنا بأزمة صخرة “ليلى”، و تؤكد أن المحتل المغربي لا ينوي تقبل الأمر الواقع و مصر على خوض المغامرة ضد مدريد إلى نهايتها.
البيان يعتبر أن قبول الحكومة الإسبانية استقبال الأخ القائد “إبراهيم غالي” أمرا خطيرا، و اللهجة التي اعتمدتها وزارة الخارجية المغربية تؤكد المخاوف التي جاءت في التقرير الأمني الأخير لمركز الأمن و الثقافة في مدريد، و الذي حذر من تعاظم قوة و دور الرباط في المنطقة، و نبه حكومة “سانشيز” إلى أن المغرب بدأ يسترجع ثقافة “الإمبراطورية الشريفة”، و هو التقرير الذي فتح باب التحليل في قضية صفقات التسلح التي وقعها المحتل، و قضية ربطه علاقات أقوى مع كبار العالم، و تنامي رغبته في السيطرة الجيوسياسية بالمنطقة، و نحن لا نقول هذا الكلام إعجابا بما قامت به الرباط أمام مدريد، أو ما تقوم به اليوم أمام برلين، بل نمنح قيادتنا القراءة الصحيحة التي غابت عنها و هي تقامر بتوريط الأخ القائد في أزمة قانونية و دبلوماسية ضخمة، كي تنقده من أزمته الصحية، و تمنح الرباط ورقة الفوز في الصراع دون جهد.
التقرير الأمني الإسباني بغاية الخطورة و سنعود إليه في مقال لاحق بالتفصيل، لأنه لا يكشف لنا فقط خطورة العدو المغربي بل يعري أطماع دول كبرى بالصحراء الغربية، و التي لا تعبر مواقفها عن حب الشعب الصحراوي بل عن رغبتها في إضعاف الرباط و الوصول إلى الثروات…، الخارجية المغربية قالت في بيانها أنها ترفض التبريرات الإسبانية و الاختباء و راء ذريعة الظرف الإنساني الطارئ للأخ “إبراهيم غالي”، و تضيف أن القرار الإسباني يقوم على سبق الإصرار، وهو خيار إرادي وقرار سيادي لاسبانيا، أخذ المغرب علما كاملا به، و ليس مجرد إغفال، و زاد البيان بأن التذرع بالاعتبارات الإنسانية لا يبرر هذا الموقف السلبي، و أن الاعتبارات الإنسانية لا تبرر المناورات التي يتم القيام بها من وراء شريك و جار، و أنه لا يمكن للاعتبارات الإنسانية أن تشكل وصفة سحرية يتم منحها بشكل انتقائي لزعيم مليشيات…، في وقت يعيش فيه آلاف الأشخاص في ظل ظروف لا إنسانية في مخيمات تندوف.
لم يتوقف البيان في لهجة التقريع و اتهام إسبانيا بالتواطؤ، بل مر إلى لغة التهديد حيث جاء فيه، أن ما فعلته إسبانيا هو خيار إرادي وقرار سيادي، أخذ المغرب علما كاملا به، و “سيستخلص منه كل التبعات”، و لم يكشف البيان عن نوع التبعات التي ستترب عن قبول مدريد معالجة الأخ القائد، غير أن الإعلام الإسباني و بمجرد نشر البيان اجتهد في القراءة و أكد أن تلك التبعات التي هدد بها المغرب لن تخرج عن إيقاف التعاون الأمني و الجيوسياسي بالمنطقة، و أن إسبانيا ستشهد عما قريب موجات من الهجرة غير الشرعية التي ستغرق سواحلها، و قد تستخدم الرباط مواطنيها المقيمين بإسبانيا للاحتجاج و إشعال شوارع مدريد ضد الحكومة الإسبانية، و قالت عديد الصحف أن الرباط تتحكم في أصوات مئات الآلاف من المغاربة الذين يشاركون في الحياة السياسية الإسبانية، و قد تنهي المسيرة السياسية للحكومة الإسبانية الحالية.
حتى الآن لا تزال تبعات البيان تنمو ككرة ثلج داخل الرأي العام الإسباني، و داخل وسائل الاعلام الذي يقود هجمة شرسة ضد حكومة “سانشيز”، و يتهم وزارة الخارجية الإسبانية بالتواطؤ مع وزارة الداخلية و توريط إسبانيا في معارك لا تخص الشعب الإسباني و مشاكل هي في غنى عنها، و قد تغرق البلاد في أزمة مع دول الإتحاد الأوروبي، و تسبب تصدعات داخلية، خصوصا، و أن الصحفي “اكناسيو سمبريرو”، المعروف بعدائه ضد المحتل المغربي، نشر مقالا له جريدة “الكونفيدونسيال” فجر به فضيحة من العيار الثقيل، و قال أن مهندسة مشروع نقل الأخ “إبراهيم غالي” هي وزيرة الخارجية “لايا كونزاليث” التي أبلغت وزير الداخلية و طلبت منه الإبقاء على الأمر في سرية كاملة، استجابة لطلب وزير خارجية الجزائر “بوقادوم” من جهة و تجنبا لإثارة غضب الرباط من جهة ثانية، و أن الأجهزة الإستخباراتية الإسبانية لم يتم إبلاغها، و أن كل شيء حدث و المكتب المركزي للتجسس خارج دائرة الإخبار و يجهل تواجد “إبراهيم غالي” فوق التراب الإسباني.
ما جاء في مقال الصحفي الاستقصائي الإسباني يؤكد أن تواجد الأخ “إبراهيم غالي” فوق التراب الإسباني سبب أزمة سياسية و دبلوماسية للحكومة الإسبانية، التي تسارع الزمن لمراضاة الرباط و تقديم التنازلات قدر المستطاع لتطويق الأزمة و دفع الرباط للإبقاء على تعاونها الأمني و الإستخباراتي في ظل تنامي خطر التهديدات الإرهابية…، خصوصا و أن رد إسبانيا على البيان الحارق كان ضعيفا جدا، و قالت وزيرة الخارجية “لايا” أن إسبانيا لا تمتلك ما تضيفه و أن التبريرات الموجودة هي ما تم قوله سابقا، و الواضح أن دور الرباط فعلا حسب التقرير الإسباني لمركز الأمن و الثقافة أصبح يتعاظم و أن اسبانيا قد تضحي برأس الأخ القائد إرضاء لعيون الرباط.
و مثلما قلنا في قضية علاج الأخ القائد، فإن الخلاصة النهائية لتطور الأحداث تكون بلوم الحليف و القادة الصحراويين الذين قبلوا بنقله إلى إسبانيا و هم يعلمون أن ترابها يعد ملعبا مفتوحا أمام الأجهزة الإستخباراتية للمحتل، و كل أمانينا اليوم بعد تصعيد الرباط للهجتها مع مدريد أن لا تراضيه برأس الأخ القائد أو بفتح قنصلية لها بمدن الصحراء الغربية… صدقوني الأمر و كأنه واقع.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك