بـقـلـم : بن بطوش
في حديث مكاشفة بإحدى غرف موقع التواصل “بالتوك”، جمعني بأفراد من شباب المخيمات على قدر من الوعي و الإدراك و يشكلون نواة الأمل للشعب الصحراوي، و بعض الإخوة الجزائريين المنتمين للتيار العقلاني الرافض للتعصب و الذين يحملون شعار #مدنية …، تحدثنا بكل رقي عن حصيلة الحليف في دعمه لقضيتنا الصحراوية، و تطرقنا للأسباب التي تجعل من آل البيت الأصفر المعلول بالرابوني قيادة لا أثر لها و لا وزن، لكن ما شدني أن أحد الجزائريين المشاركين قال خلال كلمته، أن جزائر “تبون” و “شنقريحة” بددت نصف قرن من العمل الدبلوماسي، و أحرقت كل بطائقها الرابحة و هي تخوض المعارك دون تخطيط و من غير رؤيا…، و قال أن أفضل إنجاز في عصر هذا النظام هو هدف “بلايلي” في دورة قطر العربية ضد المنتخب المغربي…، و أن ذلك النصر في مقابلة لكرة القدم، هو الوحيد الذي حققه قصر المرادية ضد الرباط في العشرية الأخيرة.
و أجمع المشاركون في الحوار بأن الجزائر أصبحت تنزع أكثر للحلول العنيفة و الدموية و العسكرية في خلافاتها مع الجيران، و أنها بالأرقام تجاوزت كوريا الشمالية و إيران في كمية المشاكل المتورطة بها إقليميا و دوليا، و أنها دفعت بالقيادة الصحراوية لخلق أزمة الكركرات التي خسرنا فيها كل شيء…، و منحت الرباط ذريعة لابتلاع مزيد من الأراضي المحرمة… في الوقت الذي حاولت فيه الأمم المتحدة حلحلة الأزمة بأخف الأضرار، ثم نظمت الجزائر هجوما على سائقين مغربيين في مالي، ردت عليه الرباط – حسب الرواية الجزائرية – بقصف الشاحنتين و إحراق كل من دخل المنطقة المحرمة…
الجزائر واصلت خياراتها السيئة بتسهيل وصول مرتزقة “الفاغنر” إلى منطقة الساحل و الصحراء، و فتحت بذلك صفحة جديدة من العداء مع باريس، ثم ضغط قصر المرادية بكل عنف على موريتانيا كي ترفض المشاركة في مشروع الأنبوب النيجيري، و هددتها باستعراض ليلي للقوة العسكرية في الوقت الذي كان فيه وزير الطاقة الجزائري يفاوض نواكشوط بمنطق المنتصر في الحروب، و يخير الموريتانيين بين الجحيم أو الموافقة على عرض نقل الغاز المكتشف إلى أوروبا عبر الجزائر…، لتلجأ موريتانيا إلى “الناتو” الذي قبل بإنشاء قاعدة له في الشمال الشرقي لموريتانيا، و اليوم تسرب المعارضة الجزائرية مخطط النظام السري، “النمر الأسود”، من أجل إغراق المنطقة في الإرهاب و الشك و العنف و الدماء، باستخدام عناصر “داعش” و “القاعدة” و دسهم بين المهاجرين غير النظاميين…
كل تلك الآراء و النقاشات حاولت حصرها في هذه المقدمة، كي نفهم أن المواقف العربية الأخيرة من النظام الجزائري، ليست إلا حصاد سنوات من السياسة الارتجالية المليئة بالعنف و البعيدة عن العمل الدبلوماسي الرصين…، ذلك أن المجموعة العربية في الأمم المتحدة بقيادة الإمارات العربية، حينما عارضت بشدة تعيين وزير الخارجية الأسبق “صبري بوقادوم”، كمبعوث للأمين العام الأممي في الملف الليبي، لم تكن تعارض الاسم أو الجنسية بمنطق الكيل بمكيالين، بل كان رفضا مبنيا على منطق مصالح الشعب الليبي و الشعوب العربية المحيطة بالدولة الليبية، و رأت المجموعة العربية في معارضة هذا التعيين تقويضا للشر بالمنطقة، و ردا لأطماع دول تحاول أن تتخفى خلف العباءة الدبلوماسية الجزائرية، نظرا لأن قصر المرادية له سوابق خطيرة في مالي مع “الفاغنر”…، و لن ننسى أيضا أن المجموعة العربية حصلت على دعم من الإتحاد الأوروبي و موسكو في هذا الموقف…، بمعنى أن الجزائر هي نفسها لا تعرف ماذا تريد من وساطتها في الملف الليبي، خصوصا إذا علمنا أن “بوقادوم” تم ترشيحه جزائريا دون علمه، و أن الترشيح هو فقط محاولة من الدبلوماسية الجزائرية لسد الطريق أمام كل الوساطات المغربية في الملف.
فموقف المجموعة العربية لا يمكن اعتباره خيانة أو خروجا على الإجماع الدبلوماسي العربي، و يمكن شرحه بكل بساطة بالرجوع إلى التصريحات التي كان يدلي بها الرئيس “عبد المجيد تبون” في لقاءاته الصحفية، و التهديدات التي كان يسوقها قائد الجيش الجزائري للأطراف المتناحرة في المعترك الليبي، و الدعم المطلق الذي قدمته الجزائر لبرلين من أجل تسهيل دخول شركاتها و الفوز بصفقات إعادة الإعمار و السيطرة عبر أذرعها الاقتصادية على منابع الطاقة هناك…، و هذا التراكم السلبي للمواقف الجزائرية جعل الليبيين أنفسهم يطالبون المجموعة العربية بعرقلة تعيين شخصية جزائرية في الملف الليبي، لقناعتهم أن الجزائر تحاول تكسير قوة ليبيا الطاقية و العسكرية و تحجيم دورها الدولي ثم إخضاعها كما فعلت مع تونس، و يرون في تعيين “بوقادوم” ضرب لأي حل مستقبلي بين الليبيين، و لديهم إيمان راسخ بأن الجزائر متحيزة لطرف على آخر و تسعى بكل الأساليب لدعم حكومة “دبيبة”، الذي فقد شرعيته داخل ليبيا بسبب خلافاته العميقة مع العشائر الليبية و أيضا بسبب مشروعه الحكومي الذي لا يروق لجميع الأطراف.
فلو أن أقرب الدول العربية إلى قلب قصر المرادية هي من كانت على رأس المجموعة العربية داخل الأمم المتحدة، لرأيناها تعارض مرغمة تعيين “بوقادوم”، و الدليل أن نفس المصير كان قد عاشه وزير الخارجية الحالي “رمطان لعمامرة” قبل سنوات، حين كانت تونس على رأس المجموعة العربية، و نتذكر جميعا كيف رفضت المجموعة العربية وساطته في الملف الليبي من طرف الليبيين أنفسهم، ثم من طرف القوى العربية التقليدية، و مرة أخرى يتكرر الموقف مع “بوقادوم” و كأن الدبلوماسية الجزائرية ترفض استخلاص الدروس من المواقف و تصر على شق الصف العربي، وكان القياس أن يغير قصر المرادية مواقفه من الأزمة الليبية، قبل أن يقترح على المنتظم الدولي شخصية جزائرية للوساطة في ملف الصراع الليبي.
هناك من يحاول إيجاد رابط بين رفض الأمم المتحدة تعيين جزائريين في ملف ليبيا و بين اللوبي القوي الذي يخدم مصالح الرباط داخل الأمم المتحدة، و الذي ينجح كل مرة في تقزيم دور الجزائر جهويا و دوليا، و نحن في هذا الموقع الحر لا ننكر قدرات الرباط الكبيرة في العمل الدبلوماسي، و خبثها في لي المواقف كي تخدم أجنداتها الجهوية، لكن هذه المرة التأثير المغربي غير قوي، لأن الجزائر و مواقفها الرسمية هي التي عجلت برفض المنتظم الدولي للشخصيات الجزائرية، و قد نسمع في قادم الأيام أصواتا ليبية تنادي بالتحقيق في تورط الجزائر في أحداث دامية داخل ليبيا و لن نستبعد وجود مقابر جماعية في الغرب الليبي بسبب الأنشطة المشبوهة للمرتزقة الذين يعملون لصالح الجيش الجزائري، و الذي تدافع الجزائر بقوة لإبقائهم فوق التراب الليبي.
غضب المجموعة العربية من الجزائر ظهر بشكل كبير في الخلاف الإسباني – الجزائري، حيث ظل على حياده و رفض دعم الجزائر التي يرى كل العرب أنها تختلف مع مدريد بسبب المغرب و دعمها لمقترح “الحكم الذاتي” كحل لقضية الصحراء الغربية…، و حسب الضيوف الذين خضت معهم حوارا شيقا عن حصيلة النظام الجزائري، فإن هذا يكفي ليجعلنا نطرح سؤال : هل فعلا لا تزال الجزائر متشبثة بتنظيم القمة العربية رغم مواقف العرب التي تظهر نظرتهم المتحاملة على هذا النظام و تتهمه بزعزعة الصف العربي…؟
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك