بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء.
لا نزال في لحظات الانبهار الأول الذي تتكفل كبريات القنوات و المجلات الاقتصادية في العالم تزويدنا به عبر الأرقام حول مستقبل “الماما أفريكا”، و هي تتفضل علينا بالتحاليل الاقتصادية كي تضعنا أمام أنفسنا متحسرين على حال حليفتنا و شامتين في العجز الذي يصيب مفاصلنا المالية و تحيلنا مرغمين على الإعجاب بالرحلة الاقتصادية للعدو المغربي الذي أصبح على قدم المساواة مع الصين و تركيا و فرنسا، بل و سيحتل – قريبا – موقعا متقدما عنهم بعد أن يكمل انضمامه إلى الاتحاد الإفريقي.
كنا نظن قبل اليوم أن إفريقيا توجد خلف الجزائر مباشرة، و كانت الحليفة تخبرنا دوما بأن الـ 50 دولة المكونة لحديقتها الخلفية لا تصلح لغير الشفقة و التصدق عليها من مال الشعب الجزائري و أنها دول ينمو فيها الحزن و تترعرع فيها المآسي و شعوبها في هروب دائم من لعنة الحروب إلى الجنة الجزائرية… و كل ما تستطيع تقديمه هذه الدول هو مناصرة قضيتنا الصحراوية العادلة…
و عند تجاوزنا للسن الصحفي القانوني لتصديق كل هذه الخزعبلات، تفاجئنا بأن إفريقيا ينمو فيها المستقبل بل هي مستقبل العالم بأسره، و رأينا كيف أن العدو يسابق الوقت حتى لا يضمن نصيبه من هذا المستقبل … و بينما نحن نتابع بحسرة الصراع الرباعي بين الصين و تركيا و فرنسا و المغرب على فرص إفريقيا الذهبية، نشعر و كأننا نكتشف لأول مرة هذه القارة ، إذ لم تعد إفريقيا تلك القارة التي يغطي فيها العشب المستنقعات و تتحين فيها رماح القبائل، الغارقة في وحل ما قبل الحضارة، حيوانا شاردا و أطفالهم يتحلقون حول النار عراة … بل أصبحت عواصمها تضاهي كبريات عواصم العالم، و أصبح لها اقتصاد بجرأة غير مسبوقة لدرجة أن دولة نيجيريا اليوم تعلنها بكل صراحة عبر شراكة مع المغرب بإطلاق مشروع القرن للربط الغازي بين لاغوص و الرباط، يمر عبر عدة دول في الغرب الإفريقي ويصل قيمة الاستثمار 25 مليار دولار، و هذا رقم يسيل لعاب الشركات العالمية التي تتسابق للظفر بالصفقة… و قريبا سترغم الحكومات الإفريقية على التوقيع لأجل إنجاح المشروع.
هذا المشروع الذي سبق و أن وضعت دراسته الجزائر قبل أن تتخلى عنه سنة 2002 ، بعدما رأت في الغاز النيجيري منافسا يهدد عائدات خزينتها من السوق الأوروبية متحججة بأن كلفته مرهقة، قبل أن يلتف العدو المغربي على المشروع و يرسي تفاصيله، و ها هو اليوم يصل إلى مرحلة التمويل الذي من المتوقع أن تشارك فيه رؤوس أموال فرنسية و خليجية و مغربية و نيجيرية،.. ليبقى إعلامنا الذي عودنا على نقل النقاش الى الهوامش و السخرية و التعثر في التفاصيل الضيقة للمواضيع الكبرى يناقش القضية الأمنية للأنبوب و يتساءل كيف أنه سيعبر منطقة قندهار أو البحر دون أن يتعرض للتخريب…. فلكل حادث جديث.
فصحافتنا التي ظنت أنها عثرت على هفوة قاتلة للمشروع نسيت بأنه عندما يتعلق الأمر بمشروع بهذا الحجم فإن اللوبيات الاقتصادية التي لها مصالح في هذا الأنبوب ستضغط بكل الوسائل من أجل إنجاحة.. و سيمر الأنبوب الغازي من حيث أراد له العدو و سوف ترعد و تزبد و تهدد قيادتنا و ستحميه أوروبا…. قبل أن يحميه العدو المغربي.
لكن القضية الكبرى ليس في الأمن و لا في التمويل بل في تأثيراته على الاقتصاد الجزائري، المرتبط بشكل مباشر مع قضيتنا ، ذلك أن وصول هذا الأنبوب إلى أوروبا هو ضربة للاقتصاد القومي الجزائري و بالتالي سيؤثر على السلم الاجتماعي لهذا الوطن، بل و سيفتح شهية أوروبا أكثر للتزود من نيجيريا التي ستطالب دون شك برفع حصتها داخل منظمة “الأوبيك” مع مد الأنبوب، و هو ما يهدد المحروقات بالمزيد من الانهيار، خصوصا إذا اختارت نيجيريا ضخ الغاز خارج حصص المنظمة.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]