بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
قرأت يوما لـ “جبران خليل جبران”، ذلك الرائع الذي خبر خبث السياسة و غدر أهلها إذ قال: “ستنتهي الحرب، و يتصافح القادة و ستبقى تلك الأم تنتظر ابنها الشهيد..”، هم يقولون عن كلامه حكمة و أنا أصر أنه رؤيا، لأنها تحققت في إفريقيا التي مدت يدها نهارا كي تصافح المحتل المغربي، و كأنها فقدت الذاكرة و ما عادت تتذكر شيئا عن مأساة الشعب الصحراوي… إفريقيا التي ظلت إلى الأمس القريب حضننا الأخير، بعدما خذلتنا الجامعة العربية حيث الأشقاء الذين لم يشفع لنا عندهم لا التاريخ و لا الدين و لا الجينات و لا الجراح و لا الغضب.. إفريقيا التي أدمى قدميها نير المستعمر هي اليوم تفرش السجاد الأحمر و تقدم الورود للعدو المغربي كي يدخل بيتها آمنا مطمئنا و يقطع فيه الرؤوس و يبتر الأيادي و ينتزع الأنياب… لقد أصبح حضن “الماما أفريكا” غريبا كئيبا و موحشا.. و ما عاد فيه مساحة دفئ لقضيتنا.
منذ بدأ السجال عن القمة الإفريقية – الأوروبية حول قانونية مقعد الدولة الصحراوية من عدمه.. و منذ أن أسرفت القيادة في طمأنة الشعب الصحراوي حول هذه المسألة و أنا أتتبع خيوط الأخبار هنا و هناك … بين أبيدجان و الرباط و باريس و بروكسيل .. و حتى تلك التي حدثت في هاراري و كيب تاون، و أجمع التفاصيل لأنه في التفاصيل يكمن الشيطان و الحقيقة معا فتكونت في قلبي قناعة بأن إفريقيا بدأت تغير جلدها، و تنسلخ من مبادئها و تُعِدُّ نفسها لشيء ما لم يكن أحد ليكشفه قبل زيارة ملك المغرب إلى ساحل العاج، لكن الآن أصبحت النوايا مكشوفة و كأننا نعيش مرحلة انتقالية و نهاية حقبة و عهد و بداية مرحلة أظنها ستكون مختلفة كليا، و كما هو معهود في تاريخ الأمم فالنهايات دوما تلعب بأوراق و نوايا مكشوفة… فلماذا يستقبل “الحسين واتارا” ملك المغرب بحفاوة مبالغ فيها أياما قبل القمة؟
و حتى لا نوغل في الرمزية و الكلام المشفر، فالمعطيات التي كشفت حتى الآن تدل على أن إفريقيا تعد نفسها لمرحلة ما بعد القمة، أي أنها بدأت تتخلى عن الفكر الثوري و عن القضايا الخلافية المبنية على الإيديولوجيات و التي تسببت حتى الآن في تشرذم داخل البيت الإفريقي، و هذا التخلي يفرضه التيار الفرنكفوني البرغماتي داخل الإتحاد الإفريقي و الذي تقوده فرنسا و ينفذه المحتل المغربي، حيث تجري حاليا حملة تصفية ضد مصالح التيار الأنجلوسكسوني الذي تخلت عنه بريطانيا و بدا واضحا بعد أن كشفت بعض المعلومات ضلوع الأذرع الإستخباراتية الفرنسية في عملية قطع رقبة العجوز “موغابي” و تعويضه بصديق باريس الذي من المرجح أن يصبح صديق الرباط بقوة الواقع في الأيام المقبلة.
غير أن المعطيات بعد هذا كله ستصبح شديدة التعقيد بالنظر إلى أن ملك المغرب حضر إلى إفريقيا قادما من الوساطة التي قادته إلى دول الخليج، هناك حيث أصاب عصفورين بحجر واحد، ربح ود الغاضبين و حصل على وعود استثمارية من الإمارات العربية و قطر و على خطوط ائتمان قدمت له من الصناديق السيادية لهذه الدول لأجل تمويل مشروع القرن الإفريقي الذي يسيل لعاب الشركات الفرنسية و الإسبانية و الإيطالية و البلجيكية و النرويجية، و حتى الشركات الإفريقية تطمع في بعض الاستفادة منه و يتعلق الأمر بالكعكة البترولية التي تبلغ قيمتها 50 مليار دولار، و هذا ما يجعل أوروبا حتى هذه اللحظة تتلكأ و تماطل في دعوة ممثلي قضيتنا الصحراوية و تنتظر الضوء الأخضر من الرباط، و لأجل هذا فرنسا لا تضغط بكل قدراتها كي تمنع حضور ممثلينا كما يبدو ظاهريا، بل لأجل توريط الجزائر التي استثمرت كل ما أتيح لها من قنوات دبلوماسية و غير دبلوماسية لتمكين جمهوريتنا الصحراوية من الحضور و هذه قد تكون زلة دبلوماسية جزائرية تجعلها تحت الأضواء و تحولها أمام العالم إلى طرف مكشوف في ملف الصحراء الغربية.. لأن القمة بأبيدجان ليست تلك التي ستحدث داخل القاعة الرسمية حيث سيطرح ملف الأمن و الاستقرار بليبيا و الهجرة و ما الى ذلك من مواضيع أخرى … بل تلك التي ستقع في الكواليس بين ملك المغرب و القادة الأفارقة و الأوروبيين… حيث الصفقات المثيرة للاهتمام، فيما القمة التي ستذاع و التي من المنتظر أن تشارك فيها دولتنا الصحراوية هي بمثابة قمة للترويج الإعلامي.. لا غير.
نضيف إلى هذا المشروع و تحركات ملك المغرب و ثقل فرنسا، قضية أخرى تتعلق بالصفقات التي لن ننتبه إليها و التي شهدتها قمة المناخ الأخيرة بألمانيا، إذ في الوقت التي شغلتنا فيه “سويلمة بيروك” بصورتها مع الأمين العام الأممي، كان الجميع يرصد تحركات مشبوهة بين ممثلي فرنسا و ممثلي المغرب و الأمين العام الأممي “غوتيريس” الذي يهتم بالقمة الإفريقية-الأوروبية المتوقعة في أبيدجان بشكل غريب، الأمر يجعلنا نجزم بأن هذا الاخير حصل على مراهنة من العدو و فرنسا و لا أستبعد مشاركة “موغريني” في الرهان لأجل عزل الجزائر و كشفها كطرف كي يضعوا “غوتيريس” و الجزائر في مواجهة مباشرة قد تنسف جهود المبعوث الأممي من جهة، و بين الإتحاد الإفريقي و القيادة الصحراوية من جهة ثانية، لكي يضغط العدو بشروطه على الإتحاد الذي بدا ضعيفا أمام فرنسا خلال أحداث زمبابوي الأخيرة، حيث يظهر بأن الخنجر الذي طعن به “موغابي” من طرف الإتحاد الإفريقي هو نفسه الذي ستطعن به قضيتنا سواء في هذه القمة أو في قمم قادمة، لأن فهم الأحداث يستحيل أن يجري خارج السياقات.. و السياقات هنا تقول بأن العدو دخل مرحلة تنظيف البيت الإفريقي من الداخلة و تأثيثه بما يناسب نفسيته السياسية.
وسط الذهول الذي يسيطر علينا بسبب ضخامة الخيانات التي نتعرض لها، فإن القيادة مطالبة برفع كميات الوعي التي تدفقت في عروق رأسها حتى تفهم حجم المصيبة التي تجلس على كرسيها منذ عاد العدو إلى الإتحاد الإفريقي، و لأن قادتنا يفرطون في التفاؤل فالعدو قد هيئ لهم ما يستنزف منسوب الأمل المتبقي في القلوب، لأنه ببساطة أطلق منافسة بين الدول الإفريقية و الأوروبية لمن يحقق أكبر قدر ممكن من الأذى بالقضية الصحراوية كي يحصل على غنائم الصفقة من الكعكة الإفريقية الشهية.. فلو أنني من قادة القضية لاقترحت الدخول معهم في المنافسة، لأن أسهل شيء أصبح في السياسة اليوم هو إحراج القضية الصحراوية.. و اسألوا “يحيى البوحبيني” كبير المشرفين على توزيع المساعدات الإنسانية بالمخيمات، كيف كان مقامه بالسويد و إيطاليا؟…. لتفهموا الوضع أكثر.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]