بقلم : الغضنفر
لا حديث خلال الأيام الأخيرة بالمناطق المحتلة و بمدينة العيون تحديدا، إلا عن الأحكام القاسية التي أصدرتها المحكمة المدنية بسلا على مجموعة معتقلي “اكديم ازيك” و التي شكلت نسخة كربونية للأحكام السابقة التي أصدرتها المحكمة العسكرية، باستثناء تخفيض العقوبة السجنية بخمس سنوات لكل من “حسن الداه” و “عبد الله التوبالي”، و إطلاق سراح كل من “الديش الضافي” و ” البكاي العرابي “، بعد الحكم عليهما بما قضيا من مدة داخل السجن (ستة سنوات و نصف و أربع سنوات و نصف).
في هذا الإطار، يتساءل الجميع عن سر اختيار هذين الأخيرين لإطلاق سراحهما دون غيرهما من باقي المعتقلين، بمعنى هل هذا القرار مجرد إصرار من المحتل على إعادة سيناريو نتائج المحاكمة العسكرية بكل تفاصيلها، عندما تم أفرج عن كل من “عبد الرحمان زيو” و “التاقي المشدوفي” ؟… أم أن المحكمة المدنية و جهات نافذة معينة كان لها رأي آخر في حالتي كل من “الديش” و “البكاي”.
قد يختلف معي بعض القراء في و جهة نظري التي سأطرحها في هذا الموضوع، و لكن أريد أن أوضح بأن رأيي يحتمل الصواب أكثر من الخطأ، و يبقى في كل الأحوال قراءة منطقية للظروف التي أحاطت بالمحاكمة و بالكواليس و العلاقات المؤثرة في مثل هذه القضية، إذ ليس من المنطق في شيء اعتبار المسألة مجرد صدفة أو اختيار عشوائي .
فبالنسبة لـ “العربي البكاي”، الكل كان يتوقع بأن يحظى بحكم مخفف، لأنه شكل الاستثناء مقارنة مع باقي رفاقه، فهو الوحيد الذي تجاوب مع هيئة المحكمة و أجاب على أسئلتها و دافع – خلال كلمته أمام المحكمة- عن براءته من كل جرائم الدم و نهب و إحراق الممتلكات الذي وقعت عقب الهجوم على مخيم “اگديم ازيك”، موضحا أن المطالب الاقتصادية و الاجتماعية هي الدافع إلى إنشاء المخيم و لم تكن له يوما أية خلفيات سياسية تحركه عند انخراطه في “لجنة الحوار” إلى جانب زوجته “امباركة السويح”.
مداخلة “البكاي” اعتبرت حينها خروجا عن إجماع المجموعة و عصيانا لتعليمات القيادة الصحراوية الهادفة إلى جعل المحاكمة مناظرة سياسية حول موضوع الصحراء الغربية، و هو ما جعل باقي المعتقلين يلومون “البكاي” على تصرفه … لكن هذا الأخير كانت له وجهة نظر برغماتية، تؤمن بضرورة إبداء المرونة في بعض المواقف حتى تمر العاصفة، لأن المتصلب يكسر و اللين يعصر، لذلك كان يعرف بأن استفزاز المحتل في الظرفية الحالية لن يزيد هذا الأخير إلا تشددا في مواقفه تجاه المعتقلين.
خلاصة القول أن “البكاي” ابدي نوعا من الاحترام لهيئة المحكمة من خلال تفاعله مع أسئلتها و لم يغامر بمصيره و حياته و مستقبله في سبيل أمور يعرف جيدا بان حلها يوجد داخل أروقة الأمم المتحدة لا في ردهات محاكم الاحتلال، لذلك قد تكون المحكمة قد قررت الإفراج عنه نظير هذا التصرف.
مسألة أخرى قد تكون لعبت دورا حاسما في الإفراج عن”البكاي” هي العامل القبلي عبر تدخل “والي” العيون المحتلة لصالحه لدى سلطات الاحتلال بالرباط، بالنظر إلى انه ابن عمومته. وهو نفس الأمر بالنسبة لـ “الديش” بحكم أن زوجة هذا الأخير من قبيلة “ايت لحسن” …
في ظل الانتكاسة النفسية التي نشعر بها جراء الأحكام الجائرة في حق باقي المعتقلين، نتساءل بموضوعية: متى سنقلع عن سياسة تجميل واقعنا النضالي المتردي الذي تسوقه وسائل إعلامنا و كأنه في أحسن حالاته؟ …متى سنكف عن التفكير بمشاعرنا لا بعقولنا في قضيتنا المصيرية ..!!؟ متى سنناضل برغبة ترسيخ الفعل النضالي لا ردود الفعل المناسباتية ؟ …متى سنفكر بعقولنا ونمنع آخرين من أن يفكروا نيابة عنا..!!؟ . متى سنحترم ونقدّس القضية أكثر من الأشخاص و القبيلة والعادات والتقاليد البالية..!!؟ متى سنتوقف عن الاحتفال بنكساتنا ..!!؟
ففي العديد من المرات نبهنا إلى معطى سلبي تصر القيادة على اللعب عليه و هو محاولة رفع المعنويات بدون أساس يسندها، و قلنا بأنه كلما كان التفاؤل كبيرا بخصوص أمر ما، كلما كانت الصدمة أكبر في حال عدم حدوثه أو حدوث نقيضه… فمنذ وفاة شيخ الشهداء “محمد عبد العزيز”، أصبحت القيادة الصحراوية بمثابة طبيب التخدير الذي يعطي مهدئات ظرفية لتسكين ألم المريض دون البحث عن علاج للمرض، و قد ظهر جليا هذا التلاعب بمعنويات و مشاعر الشعب الصحراوي في ثلاث قضايا هامة: أزمة الكركرات و رجوع المغرب للاتحاد الإفريقي و محاكمة اكديم ازيك.
ففي “ازمة الگرگرات”، القيادة الصحراوية جعلتنا نعتقد بأنها تمارس سيادتها بالمناطق المحررة و بأن الجيش الشعبي لن يتراجع من المنطقة إلا بمراجعة شاملة لاتفاق إطلاق النار و إغلاق الطريق نحو موريتانيا، و هو ما تجاوبت معه المئات من صفحات التواصل الاجتماعي عبر تداول صور الرئيس “إبراهيم غالي” و هو يتفقد المقاتلين المرابطين بالمنطقة و يتجول بشاطئ لكويرة…لكن كل هذه البروباغندا الفارغة انتهت بانسحاب مهين قبيل استصدار مجلس الامن و حاولت القيادة التغطية عليه اعلاميا بادعاء “اعادة الانتشار”…و شبهته المناضلة “سكينة جد اهلو” بأنه بمثابة الكبش الذي يتراجع الى الوراء لينطح الذي امامه….ليبقى السؤال الى متى سيتراجع هذا “الكبش” و عيد الاضحى على الابواب.
في قضية “رجوع المغرب الى الاتحاد الافريقي”، سمعنا من قادتنا العجب العجاب عن استحالة هذه العودة و ظل نفس الكلام يتردد الى الساعات الأخيرة قبيل اعلان قبول الانضمام، لنفاجئ بخطاب مفاجئ للقيادة يعتبر هذا المستجد “انتصارا “للقضية الصحراوية….و قد رأينا مؤخرا أولى ثماره خلال القمة 29 للإتحاد الإفريقي عندما نجح المحتل في نسف فقرات تقرير اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان.
أما في قضية محاكمة “معتقلي اگديم ازيك”، فأظن أننا منذ البداية نبهنا –عبر مقالاتنا- إلى ضرورة عدم التضحية بالمعتقلين من أجل لعب ورقة سياسية ظرفية، و طالبنا القيادة الصحراوية بأن تترفق بهؤلاء المعتقلين و أن ترحم عائلاتهم، فيكفيهم فخرا ما قدموه من تضحية طيلة أكثر من ستة سنوات و نصف، و لا يجب أن نحملهم فوق ما يطيقون أكثر…
و يجب على القيادة أن تعيد حساباتها و استراتيجياتها بخصوص الحراك الميداني بالمناطق المحتلة المصاب بالجمود و الشلل، لأن الحلول الترقيعية و الاعتماد على أذناب “عمر بولسان” اثبت إفلاسه….كما أن الدفع بالحقوقية “امينتو حيدر” لتحريك ما يمكن تحريكه بالعيون المحتلة أصبح متجاوزا في ظل التطورات و التغيرات التي عرفتها الساحة (و لنا عودة للموضوع).