بـقـلـم :حـسـام الـصـحـراء
ما كادت قلوبنا تمسح صبابة حزنها الإفريقي حتى ظهرت عليها أعراض حزن جديد.. هذه المرة غير بعيد عن أديسا ابابا الإثيوبية، حيث السودان الجنوبي الذي قبل ساعات كان ضمن الفريق الناجي من حرب الاسترداد المغربية للمواقع بالقارة السمراء… لكن العدو بعد نهاية إجتماعات الإتحاد الإفريقي قرر مطاردة القضية في العواصم التي تمنعت عليه، و كأنه يقسم دبلوماسيا بأن يجعل قضيتنا عارية من الأصدقاء.. يحدث هذا أمام أعين الجزائر و تجاهل جنوب إفريقيا… و تواطؤ نيجيريا… فماذا تغير ليصبح هذا حلنا..؟
تصوروا معي أننا أمضينا أزيد من أربعة عقود نتبجح بعواطف الدول التي تعشق نضالنا و كأن ذلك الحب الذي كانت تغمرنا به قيادات إفريقيا هو الذي سيحملنا إلى الوطن.. و نسينا أن اعين إفريقيا حين كانت تشيح بنظرها إلينا فهي لم تكن تنظرنا بل كانت ترى مخزون النفط و الغاز الجزائري… كانت خزائن الجزائر تُبهرها.. و نسي قادتنا المبادئ الكبرى للدبلوماسية المبنية على المصالح و ليس على العواطف… لهذا إلتفتت إفريقيا للعدو حين نزل محبا و مستثمرا.
اليوم ما عاد أحد منا يشكك في الذكاء المتقد لهذا العدو الذي ضل يبني مجده بعصامية غريبة طيلة السنوات التي قضاها بعيدا عن تجمعات أبناء “الماما أفريكا” -32 سنة خارج إتحادها- و حين ظهر فجأة جردنا من كل شيء، و أطلق يده في كل إفريقيا بالمشاريع وكأنه يحرق الأرض خلفنا، حتى أن من بيننا من قال بأن تلك المشاريع وهمية و لا حقيقة فيها، لكن الثقة التي يتصرف بها تؤكد أننا أخطئنا حين قللنا من خطورة ما يفعله في إفريقيا.. لم نعرف حجم المصيبة إلا حين انحشر “ابراهيم غالي” في الزاوية يرسم الدوائر الفارغة بدخان سجائره.. و بدت أمامه الجزائر من جانب الإصطفافات الجديدة و هي تعجز عن إيقاف النزيف…
فهذه الزيارة التي يقوم بها ملك المغاربة للسودان الجنوبية تحتاج للتأمل و تحتاج لأن تكون من دروس الدبلوماسية، لا أقول هذا من باب جلد الذات و تعظيم الأعداء، بل لأن فيه تفاصيل يصعب إستشعارها، حيث أنه بالأمس رفضت السودان دعم المغرب، و اليوم يحمل ملك المغرب ذلك الرفض بيد و يعيده إليهم، و في اليد الأخرى يحمل المشاريع التي قدمها لهم، فلم يسبق لي أن رأيت زعيما محرجا كما كان الحال برئيس السودان الذي غطى على موقفه من رفض دعم المغرب بإستقبال كبير لعله يشفع له بعد سوء ما سبق…
أقول هذا كي أجعل القيادة الصحراوية تتصور كيف قضى الشعب الصحراوي ليلته في المخيمات بعد أن كذّب العدو كل ما قيل لنا وصدقناه، على القيادة الصحراوية اليوم أن تشرح لماذا تبخرت دبلوماسيتنا فجأة و كيف نزل العدو إلى السودان الجنوبية؟ و لماذا إستقبله صديق القضية بتلك الحفاوة؟، على القيادة أن تجد شرحا تقنع به الشعب عن سبب صمت الجزائر.. و لا بد لـ “إبراهيم غالي” أن يعترف بكون العدو المغربي الذي سيبني عاصمة السوادان حسم حرب المواقع في القارة السمراء لصالحه، و عليه أن يؤكد و هو يعترف بأن هذه الخسارة قد تكون قاسمة الظهر التي لا نجاة بعدها..
و أظنه حان الوقت لتتوقف الصحافة الكاذبة بالرابوني عن إشاعة البهتان و تضليلنا بالأحجيات، و أن تكتب الحقيقة كما هي، ذلك أن الصحف العالمية لا تزال تتغنى بما حققه العدو في إفريقيا بعد العودة حيث قالت الصحافة في سويسرا بأن أوروبا اليوم أصبح بإمكانها المراهنة على المغرب لأنقاد إفريقيا، و قالت صحف الإسبان بأن إفريقيا منذ زمن و هي بلا قائد كبير، و اليوم أصبح لها قائد يمكن الثقة به و وضع مستقبل افريقية بين يديه، أما ما كتبته صحف فرنسا عن ما فعله العدو بإفريقيا لم تكتبه حتى صحف الرباط.
أصبح لنا اليقين بأن قيادتنا لا تزال تحبو في درب النضال و في كل مرة تجد نفسها مضطرة لإحصاء خسائرها، لأنها لا تتعلم الدروس و لأنها لا تقبل النصيحة.. و من طرائف هذه القيادة أنها تخضع كل الخسائر إلى عمليات تجميل إعلامية كي تجعلنا نفهم بأن ما حدث له وجهان وجه يخصنا جميل و تشع منه أنوار النصر.. و وجه لا يخصنا قبيح لا هزيمة فيه لكن ما فيه من نصر هو للأعادي.. غير أن الحقيقة الجديدة هي في كون وجه القضية ما عاد يتحمل المزيد من التجميل و لفرط الشد الذي مورس عليه لإخفاء شيخوختها أصبحت قضيتنا تنام مفتوحة العينين، و معها الشعب الصحراوي الذي هجره النوم و يحسب كل يوم يمر على القضية داخل الإتحاد نصر جديد.