بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
لا أزال مثل جميع الصحراويين المهتمين بالقضية الوطنية أطالع الجرائد يوميا و أتنقل بين المواقع الالكترونية الإعلامية أبحث فيها عن عمود أو مقال يواسيني ببعض كلام و لو كان كذبا، و يُخفف من وطأة الإحباط و الخوف من المجهول الجاثمين على قلبي هذه الأيام، دون أن يبيعني المداد الأسود أو الشبكة العنكبوتية ما أبحث عنه…، الأخبار نفسها و التعاليق السياسية تتأرجح بين هذا و ذاك و عقلي المتخم بالأحداث يقرأ ما بين السطور، لعلّي أجد في ما بينها بارقة أمل أو متسع لنفسي المكتئبة يسمح لي بالهجرة بين النكبات…
فالعدو المغربي لم يعد بحاجة إلى الانتصار أو انتظار رد فعل القيادة الصحراوية، بعدما كرّس مفهوما جديدا لديبلوماسيته التي لا ترضى بأنصاف الحلول و لا تأبه بتأسف الأمين العام … فإما الاعتذار أو …. الإعتذار، و لن ترضى بأقل من اعتذار ما دام كل هم المحتل المغربي اليوم أن يدهشنا بإذلال أصدقاء القضية، و هو يحول ملفها إلى عش ذبابير … فهل من شجاع يضع يده داخله.؟؟
فالمحتل المغربي الذي استفزته كلمة “احتلال” تفوه بها الأمين العام الأممي في لحظة شفقة على حال أهالينا بالمخيمات، جعل من “زلة لسان” مسمار جحا ليطرد به موظفو البعثة الأممية “المينورصو” على مرأى و مسمع من العالم، دون أن يستطيع “بان كي مون” دفع مجلس الأمن إلى إصدار بيان يدين هذا التصرف، بل زكى هذا المجلس موقف المحتل و دعا “كي مون” إلى القيام بما يجب لرأب الصدع بينه و بين المحتل المغربي.
أمام هذا التصعيد لم تجد القيادة الصحراوية من رد سوى التهديد بالعودة إلى حمل السلاح و هي تدرك بأن كل آلياتها الحربية و لا إمكانياتها المادية تسمح لها بذلك، لذلك وجدت في معتقلي “أكديم ازيك” ضالتها لتوجيه الرأي العام الدولي، غير مدركة بأن الإضراب عن الطعام الذي يخوضونه فارغ المحتوى بسبب عدم جدية بعض المضربين في الالتزام به … هذا كله يدفعنا الى التفكير في الجهة التي أثارت المشكل و الجهة التي استفادت من تطوره.
ذلك أن العدو الذي اعتقدنا بأنه يعيش عزلة دولية سرعان ما تمكن من تحوير الأزمة و جعلها قابلة للتطور الإيجابي لصالحه، و الذي يقابلها في الدبلوماسية الصحراوية مجرد فقاقيع كلام لا نسمعه إلا نحن الصحراويون، و ليث أوزار المعركة تقف عند هذه الحد، بل بدأ المحتل يدفع بالملف برمته في اتجاه لا يحمد عقباه.
فالوضع الراهن بالمخيمات يؤشر بأن الأزمة، التي انطلقت من المخيمات و تسببت فيها قيادتنا التي كانت تمنينا بأن زيارة “بان كي مون” ستكون ضربة قاضية للمحتل، لن تنتهي على خير في ظل حالة الترقب التي نعيشها بسبب طبول الحرب الجوفاء و الحالة الصحية المتدهورة للرئيس، مما ينذر بقرب كارثة، و هذا الأمر لا يمكن إخفائه بالتجاهل أو بتزييف الحقائق، لأن العدو بكل واقعية استعرض عضلاته الدبلوماسية أمام العالم و استجابت له العديد من الدول في إطار تبادل المصالح، فهل لنا مصالح تنفع دبلوماسيينا في المقايضة بها لمجاراة الإيقاع العالي للعدو أو على الأقل إعاقته؟
فمن خلال قراءة الخطوط العريضة لهذه الأزمة يمكن استشراف ما سيأتي في الأيام القليلة القادمة عبر فتح ملف القضية الصحراوية، و التي تخبرنا بأن الأمر يتحمل قراءة واحدة لا أكثر و لا مجال فيه للاحتمالات غير تلك التي تبدو مكشوفة و هي كالآتية:
– القوى العظمى بالأمم المتحدة يروقها جدا مقترح العدو المغربي و تقول أنه الحل الوحيد القابل للتطبيق و الحياة بالمنطقة الغربية لإفريقيا.
– الأمين العام للأمم المتحدة أعطى الانطباع في تصريحاته الأخيرة على أنه أخطأ التقدير حينما نطق بكلمة “احتلال”، و أن محاولاته لإصلاح الوضع زاد من تأزيم العلاقة بينه و بين العدو و كشفت للعالم بأن العدو كان محقا.
– بعض القادة الصحراويين ممن يروقهم خيار الحرب، وجدوا في الأزمة منبرا جيدا للتأكيد على أن الجيش الصحراوي جاهز لصراع “الديكة”، و الواقع نعلمه جيدا.
هذه النقاط ستجعلنا نفكر ألف مرة في التطورات المصاحبة للتصعيد إذا ما ضغطت الجزائر على قيادتنا لتطبيق خيار المواجهة المسلحة، و نحن نعرف فارق العدد و العتاد و الخبرة، بحيث لن تقتصر النتائج على الخسائر العسكرية لأنها تحصيل حاصل، بل الآتي:
– سيفقد المناضلون و المتعاطفون مع القضية الصحراوية بالأراضي المحتلة كل فرص التعبير بحرية، و بالتالي سنحرق في لحظة واحدة و في قرار مجنون تلك المكتسبات التي راكمنها.
– سيجد المناضلون أنفسهم بالأراضي المحتلة وجها لوجه مع غضب المستوطنين، و التي لن يستطيع سلطات المحتل التحكم فيهم و تكون بهذا القيادة قد قدمت مناضلي القضية إلى مجزرة حقيقية.
– العدو لم يسبق له في تاريخ الصراع أن كان مؤازرا من طرف الصحراويين كما هو اليوم، و الذين يدعمون المحتل دون شرط أو قيد و أخص بالذكر الأعيان النافذين الذين يؤثرون في الرأي العام الصحراوي بالأراضي المحتلة و الذين استقووا بكلمات ملك المغرب الذي جعلهم “الممثلين الحقيقيين لسكان الصحراء”.
هذه النتائج نجملها و نقدمها بوصفة الخبير العارف بخبايا الأمور و تطوراتها بالمنطقة، لعل القيادة تفهم بأن الشعب الصحراوي لا يعيش منعزلا عن العالم و أن كبسة زر على جهاز التلفاز يكفي ليجعلنا نعلم بأن كل ما تروج له محض كذب و أن الحقيقة جد محزنة و التي نكتبها اليوم إبراءا لذمتنا أمام الواجب الوطني تجاه الشعب الصحراوي.