بـقـلـم : بن بطوش
بعد التقارب التاريخي بين الرياض و طهران، و دخول هذا المحور مرحلة المهادنة و التقاط الأنفاس، وجدت قناة “الجزيرة” نفسها أمام وضع إعلامي غير معتادة على التعاطي معه، ذلك أن هدوء الأحداث في الشرق الأوسط جعل هذا المنبر يفقد حدته الإعلامية و تأثيره التأجيجي للصراعات القطبية و الجوارية بين الدول، خصوصا تلك التقليدية بين مركز الدول السنية و الدولة الصفوية…، لكن عشق الرئيس الجزائري لـ « show » الإعلامي و حبه للظهور في جبة السياسي المحلل و الخبير العارف بأسرار المؤامرات…، أخرج القناة القطرية من عطالتها و لو مؤقتا، و منحها وضعا جديدا في شمال إفريقيا سيعوضها على فقدها الصراع السني – الشيعي في الخليج العربي و خليج فارس.
القناة التي أججت الربيع العربي و نفخت في نار الثورات و التي لم تجد وصفا قبيحا لم تنعت به النظام الجزائري بعد الانتخابات التي نصبت “تبون” على رأس السلطة الجزائرية، اختارت أن تبث الجزء الثاني من الحوار مع الرئيس “تبون” بهالة إعلامية مورطة له، لأنها تركت الرجل يتحمس كثيرا لدرجة أنه تفاعل مع تصريحاته بنوع من العاطفة الصدامية سنشرحها بعد أن نذكر بما جاء في الحوار السابق، و الذي بدأنا فيه التحليل و النقاش من تفاصيل الغرفة التي جرى فيها حوار “تبون” مع الصحفية “بن قنة”، و قلنا أن خارطة الوطن الجزائري أثارت العديد من التساؤلات بسبب الخط الفاصل بين شرقها و غربها، نعود هذه المرة لنتحدث عن صورة أخرى، تلك التي التقطتها “بن قنة” مع الرئيس الجزائري في تلك الغرفة التي يُقال أنها تاريخية و احتضنت اجتماعات قيادات جيش التحرير.
لكن الملاحظ أن الغرفة تبدو بدون مساحيق تجميل تاريخية تمنحها الهوية الجزائرية، رغم رمزيتها، إذ تخلو من الزليج و تبدو شاحبة و بطراز فرنسي يغلب عليه الطلاء الأبيض و الخشب البني غير المنقوش، بينما النوافذ مزينة بالزجاج العراقي الملون، فلا شيء يوحي بجزائرية المكان و لا توجد به رمزية تحكي قصصه التاريخية كما نرى في قصور المخزن المغربي أو في قصور تونس أو حتى في القصور المهجورة للأندلس.
حوار الرئيس الجزائري مع الصحفية “بن قنة”،و الذي جرى بثه على منصة “الجزيرة بودكاست”، بدا أكثر جرأة هذه المرة و تضمن حصريات بغاية الخطورة، حيث أطلق الرئيس الجزائري تصريحات مثيرة جدا، نختار منها شهادة من “تبون” و بلسانه يستنتج من خلالها المشاهد ضمنيا بأن الجزائر هي من نفذت العملية الإرهابية باغتيال السائقين المغاربة في دولة مالي، حيث قال أن ما يحصل في مالي يهم الجزائر، و أنه يرفض تقسيم شمال مالي عن باقي التراب التابع لباماكو، و قال أن أول من يتأثر بما يجري في مالي هم الجزائريون.
و أضاف أنه خلال سنة 2012 تعرض سبعة دبلوماسيين جزائريين للاختطاف من طرف جماعة إرهابية، و قال أنه يمتلك معلومات استخباراتية تدل على أن تلك الجماعة أنشأتها مخابرات “دولة جارة” (في إشارة منه إلى المغرب)، و هذا التصريح بغاية الخطورة لأنه صدر عن رئيس دولة، ضد دولة أخرى تجمعه بها علاقات جد متوترة.
درجة الخطورة تبدأ من عدم سؤال الصحفية “بن قنة” عن الدليل و تركها هذا التصريح يمر دون نقاش، و تكمن أيضا في كون الجزائر كدولة و نظام تفتقد إلى الوضوح؛ فإذا كان الرئيس الجزائري يمتلك فعلا دليلا على تورط الرباط، لماذا لم يتوجه إلى مجلس الأمن أو الأمم المتحدة أو المحكمة الدولية أو حتى المحكمة الأوروبية أو إلى جنيف حيث مفوضية حقوق الإنسان… !!؟، لماذا قررت الجزائر التكتم عن هذا الأمر منذ ذلك الزمن ؟
و الأخطر أن الطريقة التي أعلن بها هذا الاتهام، و كأن الرئيس الجزائري أراد فقط أن يبرر به الجريمة التي حدثت في حق السائقين المغاربة بمالي، و التي تقول المصادر أن منفذيها كانوا من ذوي السحنة العربية، و كانوا يتحدثون الفرنسية و يرتدون بدلات الكوموندوز الخاصة بالجيوش النظامية، و أنهم غادروا مكان الجريمة بعدما تأكدوا أن السائقين من جنسية مغربية.
الذي أفتى على الرئيس الجزائري بهذا التصريح، دونما شك كانت غايته توريط الجزائر أمام المجتمع الدولي، لأن النظام المغربي لا يفوت الهدايا، و دونما شك إذا حصل على ما يورط الرئيس “تبون” في ممارسة التنجيم السياسي، فسيجر الجزائر إلى المسائلة و سيطالبها بالدلائل مثلما فعل مع الاتحاد الأوروبي في قضية “بيغاسوس”، و لا زال الاتحاد الأوروبي و الإعلام الذي تورط في الملف مع الرباط، عاجز عن تقديم البراهين التقنية.
و في حالة حصل هذا الأمر و عجزت الجزائر عن تقديم الأدلة في حادثة اختطاف الدبلوماسيين السبع بباماكو، فإن الرئيس الجزائري سيكون قد دمر سمعة بلاده إفريقيا و دوليا، لأن دولة مالي ستتأكد بأن الجزائر هي من تعبث بأمنها، و ستعلم الدول المجاورة للجزائر (تونس و مالي و ليبيا و موريتانيا و النيجر) بأن المعلومات و التقارير الاستخباراتية التي تقدمها الجزائر جميعها مغلوطة، و كلها مجرد تكهنات، و أهمها تلك التي تقدمها الجزائر للرئيس التونسي “قيس سعيد” و دفعته لحل البرلمان التونسي و جهاز العدالة و عدد من المؤسسات.
لم يكن التصريح هو الشذوذ الوحيد الذي جاء في الحوار، بل الرجل تحدث عن الوضع الاقتصادي داخل الجزائر، و قدم أرقاما غريبة و وهمية، أهمها أن الإنتاج الفلاحي الجزائري يصل إلى 34.5 مليار دولار، لأن هذا الرقم يكفي لتحقيق الأمن الغذائي لدولة مثل ألمانيا بتعداد سكانها الذي يتجاوز الـ 85 مليون نسمة، فيما التقارير اليومية داخل الجزائر تتحدث عن خصاص كبير للمنتجات الفلاحية داخل السوق الجزائرية بقيمة 15 مليار دولار، و الدليل أن أغلى تسعيرات الخضر حتى الآن في إفريقيا هي تلك الموجود في الأسواق الجزائرية.
و أضاف أن الجزائر استردت 22 مليار من الأموال المنهوبة، و هذا الرقم غير ممكن و المؤسسات المالية السيادية الجزائرية لم توفر أي معطيات تؤكده، و لم نسمع به في الإعلام الجزائري، و حتى أرقام و مؤشرات البنك المركزي الجزائري لم تتغير منذ شهور، و لا يوجد دليل واحد يؤكد استعادة تلك الأموال…، و قال أن الهدف المستقبلي للجزائر هو خلق 55 ألف منصب شغل، و هذا رقم ضعيف جدا و تحدي حكومي هزيل، لأن دولة مثل المملكة المغربية، التي تحتل أرضنا، و دون ثروات طبيعية هائلة تجتهد لأجل تحقيق و خلق مليون منصب شغل، رغم أن نسبة البطالة في الجزائر تتجاوز بكثير ما يوجد في المغرب.
و قال الرئيس الجزائري أيضا أنه – و الحمد لله- أصبحت الجزائر تصدر 7 ملايير دولار خارج المحروقات، و حين سألته الصحفية الماكرة عن المواد التي تصدرها الجزائر تلعثم “تبون” تم أجاب أن التصدير يشمل “الحديد و المنتجات الفلاحية و الإسمنت و بعض السلع…”، و هنا صمتت الصحفية باستحياء و خفضت عينيها، لأنها تعلم بأن الجزائر تستورد الحديد من موريتانيا بكميات كبيرة جدا، و تعيد توجيهه إلى الأسواق الدولية مستغلة ضعف تكلفة الشراء و ارتفاع ثمنه في السوق الدولية، و تعلم أن سبب ندرة المنتجات الفلاحية في أسواق الجزائر تعود إلى قرار الرئيس الجزائري تصديرها نحو دول إفريقيا و أوروبا، رغم حاجة السوق الداخلية لها و تسبب الأمر في المضاربة،… و تعرف أيضا أن ما تصدره الجزائر هي منتجات يجري حرمان المواطن منها، الغرض منه فقط الدعاية و الترويج للتقارير التي تعزز سمعة الرئيس الجزائري، حتى يقال أنه في عصر “تبون” كانت الجزائر تصدر المواد الغذائية و الفلاحية، و هذه لعبة سياسية خطرة و قذرة.

لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك