بـقـلـم : بن بطوش
بعد زلة السفير الجزائري في فرنسا و حديثه بفخر عن اللص الجزائري كأفضل ما أنجته المؤسسة الاجتماعية الجزائرية، عادت الصحف الجزائرية لتعزف نفس اللحن النشاز، و تفتخر بدورها بأخلاق اللص الجزائري و هي تتباهي بعروبته و قومجيته الزائدة، و إحساسه الثوري المتقدم، ذلك أن جريدة “الشروق” الجزائرية روت لقرائها حادثة حصلت لمهاجرين فلسطينيين بالديار الفرنسية، مع قاطع طريق جزائري، كان قد اعترض طريقهما في إحدى الشوارع المظلمة من عاصمة الأنوار، و أشهر عليهما مدية يهدد بها حياتهما، و بينما هذا اللص الخلوق يسلبهما أثمن ما يملكان من هواتف و محفظة النقود و بعض الحلي، انتبه إلى وجود علم دولة فلسطين في الجيب الداخلي لسترة أحدهما، فأخذت هذا اللص الجزائري حمية مشاعر الثورة، و رق قلبه لهما و تذكر قصائد “محمود درويش” و أغاني “مارسيل خليفة”، و خفق قلبه بعنف بعدما اختلطت عليه المشاعر و هو يرتكب جريمة مزدوجة الأولى أنها سرقة و الثانية أنها ضد أبناء الأقصى، و تضاربت مشاعر هذا اللص “الخلوق”..، أ يأخذ المسروقات و يرحل ؟ أم يعيدها للفلسطينيين المنكوبين و المظلومين…؟
في النهاية قاده إحساسه الثوري و هو إبن بلاد الشهداء إلى أن الجزائري يعرف بـ “النيف” و لا يرضى أن يسرق رجلا ثوريا، فماذا لو أن القضية هي نفسها فلسطين…، يقول الصحفي الراوي من “الشروق”: “لقد أعاد لهما متاعهما، و أعتذر منهما عندما علم أنهما فلسطينيان، و نصحهما أن لا يتجولا في الأماكن البعيد عن الحماية الأمنية”، و هذا منتهى الإسفاف الإعلامي، الذي لا يتورع عن الدعوة إلى تمجيد اللص الجزائري، و إتخاده رمزا نبيلا عوضا عن الطبيب و المهندس و العالم و المدرس و المخترع و الجندي…
تخيل أخي القارئ الكريم أن المدرسة الإعلامية التي يمشي على أثرها رسل الصحافة في الرابوني، أصبحت تكتب بفخر عن اللص و تمجد “الحريك” و تعتبره طموحا مشروعا، و تروج لخطاب اليأس بين الشباب…، و تتهم المدرس و الطبيب و المحامي بالكفر الوطني لأنه خرج في الحراك المقدس، و على النظام الجزائري أن ينتبه إلى العبث الذي يدب في أوصال السلطة الرابعة في البلاد.
فقد انتهت بأديس أبابا أشغال الدورة الأولى العادية لمؤتمر الدول الأطراف في معاهدة الوكالة الإفريقية للأدوية، التابعة للاتحاد الإفريقي بمشاركة الحليف الجزائري، بوفد يترأسه وزير الخارجية “رمطان لعمامرة”، و ووزير الصناعة الصيدلانية، “عبد الرحمان لطفي جمال بن باحمد”، و كان الصراع قد اقتصر على الجزائر و رواندا، قبل أن تحسم دولة رواندا هذا التنافس لصالحها و بحصيلة تصويت لا تقبل الجدل، إذ انتزعت من الجزائر هذا المقر بنسبة تصويت وصلت 82% مقابل 8%، مما شكل خيبة أمل لدى الدبلوماسية الجزائرية التي يبدو أنها تعيش في السنوات الأخيرة فترة صعبة، فقدت فيها كل قدراتها على استمالت المواقف الإفريقية لصالحها، وسط حديث إفريقي عن انتهاء عصر السيطرة الجزائرية على دواليب الإتحاد الإفريقي بعد تراجع الدعم الجنوب إفريقي للجزائر في المحافل الإفريقية.
عجز الجزائر عن الفوز في التصويت الإفريقي لاحتضان مقر وكالة الأدوية الإفريقية، خلف رجة عنيفة داخل قصر المرادية، و ظهر الأمر واضحا من خلال المادة الإعلامية التي قدمتها الصحف و المواقع الرسمية الجزائريةّ، و التي تحسرت كثيرا عما أسموه إخفاقا جديدا لوزارة “لعمامرة”، و قال الإعلام الرسمي الجزائري أنه خلال أسبوع فقط خسرت الدبلوماسية الجزائرية صراعاتها العمودية و الأفقية، و أضافت أن اللوبي الجزائري بالبرلمان الإسباني و الذي يكلف خزينة الدولة الجزائرية عشرات الملايين من الدولارات أسبوعيا، فشل بدوره في تصويت البرلمان الإسباني لأجل فرض أغلبية رافض للقرار الإسباني الداعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي و الداعم بالتالي لما تسميه الرباط وحدتها الترابية، و أن هذا اللوبي خسر بفارق أصوات رهيب، و بالتالي تسبب فشله في إغلاق ملف اعتراض القرار الحكومي بشكل نهائي إلى غاية انتهاء عمل الحكومة الحالية برئاسة “سانشيز”.
نعود إلى الإخفاق الدبلوماسي الجزائري في المحفل الإفريقي، و تفاصيل حدوثه، حيث روج الإعلام في كل من دولة السينغال و رواندا و نيجيريا إلى أمر غاية في الخطورة، و قالت الصحف الرسمية هناك أن “لعمامرة” بشكل شخصي اقترح على الدول الإفريقية في الكواليس رشاوى من أجل التصويت لصالح الجزائر، و أن معظم ممثلي الدول لم يعيروا مقترحه أي اعتبار باستثناء كل من ممثل كينيا و السودان و جنوب السودان و مالي و النيجر، بينما صوت ممثل تونس و جنوب إفريقيا و بوركينافاسو بشكل تلقائي دون حصولهم على إغراءات…، كما نقلت نفس الصحف التي حققت في قضية التصويت و خسارة الجزائر أمام رواندا، تحليلا عن خبراء أفارقة يخص المقترح الذي تقدم به “لعمامرة” لأجل إستمالة المسؤولين الروانديين، حيث نص المقترح على تنازل دولة رواندا على المقر لصالح الجزائر، فيما تحتضن رواندا الإدارة التنفيذية و مقر المسؤولين، و أن الجزائر ستنفق 200 مليون دولار لتشييد ستة بنايات بقيمة 150 مليون دولار، و ستخصص 50 مليون أخرى لتجهيز هذه البنايات بأحدث التكنولوجيا في مجال الصناعة الدوائية.
و اعتبر الخبراء الأفارقة أنها دعوة صريحة للفساد في الوكالة، و أن الجزائر تقول بالواضح للروانديين، سوف لن نحرمكم من حقكم و سنشرككم في الكعكة التي تصل إلى أربعة ملايير دولار سنويا، و أننا كعربون نوايا حسنة، سنقوم بتشييد المؤسسات من خزينة الدولة الجزائرية فيما الميزانية التي سيخصصها الإتحاد الإفريقي سنترك لكم هامش تدبيرها حسب أهوائكم، و لن تكون هناك رقابة لأن المقر الإداري و المالي سيكون في العاصمة كيغالي.
لكن السؤال الذي يحير النشطاء الجزائريين هو لماذا تصر الجزائر التي تعتبر نفسها صاحبة أفضل منظومة صحية، على استضافة مقر وكالة الأدوية الإفريقية و أوجاعه، مع العلم أن إفريقيا قارة الأوبئة و الكوارث، و احتضان مثل هذا المقر سيتسبب للجزائر متاعب طبية و سيضيف إليها أعباء أكبر؟
الجواب أن تلك الهواجس غير صحيحة، و أن الوكالة تعد كنزا حقيقيا بعدما تحصلت على وعود من الإتحاد الأوروبي و من منظمة الصحة العالمية و الأمم المتحدة و الولايات المتحدة و الجامعة العربية ودول مجلس التعاون…، بدعمها للوصول إلى الأمن الدوائي في القارة المنكوبة، و أن هذه الوعود بلغة الأرقام تتجاوز عائداتها الأربعة ملايير دولار سنويا، و الجزائر ترى في الوكالة مصدر ثروة طائلة، و أنها ستفي بالغرض في القضية الصحراوية التي تكلف الخزينة الجزائرية أزيد من مليار و نصف دولار سنويا، و أن وجود المقر في الجزائر يعني رفع حصة الجزائر من الأدوية و المساعدات، و جعل القيادة الصحراوية تتحصل على حصة كبيرة لتتاجر بها في السوق السوداء كما تفعل مع المساعدات الطبية الإسبانية، كي تضمن جزءا من التمويل و تخفف العبء على الخزينة الجزائرية، بالإضافة إلى تحويل جزء من مالية الوكالة بشكل شرعي لدعم المخيمات في أرض اللجوء، لأن الوكالة لها أنشطة خيرية موازية لصالح المهاجرين و اللاجئين في إفريقيا
الفشل الجزائري فوت على أهالينا في المخيمات فرصة ذهبية لتدارك التأخر الحاصل على مستوى البنيوي داخل الدولة الصحراوية، بمعنى أن القيادة الصحراوية فقدت مكاسب مالية بعد اصطفاف مجموعة من الدول الأوروبية لصالح مواقف الرباط، و أن هناك حصارا على مصالح الشعب الصحراوي تحاول الدولة الجزائرية تداركه بكل الطرق و بأسرع الآجال قبل تراجع أسعار المحروقات عبر العالم.
إبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك