بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
بدأت رمال الحراك في الجزائر تتحرك تحت أقدام النظام الجزائري و تبتلع رموزه المحاصرة شعبيا، و تزيد من تضييق المجال على رقبة الرئيس “بوتفليقة” الذي يبدو أنه لم ينجح حتى الآن في إقناع المحتجين في الشوارع عبر رسائله و تنازلاته كي يمنحوه مهلة لبعض الشهور تمكنه من تصفية بعض الأمور العالقة داخل قصر المرادية و تجنب انتقام الرموز التي دعمته طيلة العشرين سنة التي أمضاها على كرسي الجمهورية، كما أن النظام يحتاج تلك الشهور كي يتمكن “بوتفليقة” من تحقيق أحد أمنياته الأخيرة بتدشين “المسجد الكبير” للجزائر…، فهل يرق قلب الشعب و يمهله؟ و إن فعل هل يمهله القدر..؟
ما نستطيع الإجابة عنه في هذا التساؤل هو الشق الأول من السؤال؛ لأن الشق الثاني لا قدرة لنا على معرفته، و حتى إن وضعنا سقفا زمنيا لما تبقى من أيام “بوتفليقة” أخشى أن تُبْهِتَنَا براعة الأطباء السويسريين، و قدرتهم العجيبة على جعل قلب الرجل يستمر في ضخ الدماء إلى أطرافه و دماغه…، تلك البراعة التي يرى فيها الجزائريون ظلما عظيما لهم، و تزيد من إصرار المحتجين على تنحيته نهائيا مستبعدين تدخل القدر لتخليصهم…، هذا الإصرار هو ما يخيف محيط “بوتفليقة” الذي راهن على المماطلة لإسقاط الاحتجاجات في الرتابة و اختراقه طولا و عرضا باستخدام التوجيه السياسي و أيضا باستقطاب محركيه و قادته عن طريق إغراءات المال… لكن رهانهم هذا قد خابت و أدركوا أن الشعب لن يعود إلى المنازل قبل أن يجتث النظام من جذوره… بعدما خرج الجزائريون للأسبوع السادس على التوالي في مليونيات جديدة.
لقد بدأ القفز من سفينة النظام الجانحة، و بعد أن هدد “أويحيا” بالكشف عن الحقائق الكبرى التي أدت إلى الخلل المالي في الاقتصاد الجزائري، و إعلانه عدم دعم “بوتفليقة” للبقاء في السلطة و انتشار خبر عرضه بيته للبيع في الجزائر، ثم طلب قائد الجيش “أحمد القايد صالح” تفعيل المادة 102 من الدستور، و إعلان العديد من حزب جبهة الحرير الشعبي عدم دعم “بوتفليقة” و أيضا توالي البيانات من أحزاب التحالف الحاكم و النقابات القوية في الجزائر، وصولا إلى استقالة “علي حداد” زعيم الكارتيل المالي المحرك للنظام الذي يرأسه “بوتفليقة”، انتهاء بلائحة 100 الممنوعة من مغادرة البلاد.
كل هذه التطورات لم تكن لتمنحنا الصورة الواضحة لما يعيشه النظام داخل قصر المرادية، و ما كانت لتعكس حجم التأثير الذي تسببت فيه الاحتجاجات على جماعة الحكم، و ما خلفه الأمر من انشقاقات داخلية، لكن خبر اعتقال “علي حداد” على الحدود مع تونس و هو يحاول الهروب من الجزائر مستعينا بجواز سفر بريطاني، يشرح الوضع الصحيح و يعطينا النظرة الواقعية لما يجري داخل العلبة الضيقة للنظام، لأن “علي حداد” هو أحد الخمسة الذين يشتركون في إتخاذ القرار السياسي داخل الرئاسة إلى جانب كل من “السعيد بوتفليقة” و كبير أُثرياء الجزائر “يسعد ربراب” و نائب رئيس الوزراء “رمطان لعمامرة” و الجنرال “البشير طرطاق” و قائد الجيش “أحمد قايد صالح”.
فـ “علي حداد” هو مهندس الاقتصاد الجزائري الذي تحول خلال الفترة الرئاسية لـ “بوتفليقة” من مجرد نكرة يجتهد للحصول على قوت يومه، إلى مهندس معماري، ثم مقاول بسيط بمنطقة “أزفون” بـ “تيزي وزو”، و فجأة يجد نفسه وقد أصبح ثاني أغنى رجل أعمال في الجزائر بثروة بلغت 30 مليار دولار، اي اغنى حتى من أمراء الخليج، و يمتلك نادي إتحاد العاصمة لكرة القدم و قناتين إعلاميتين و عدد من الجرائد اليومية و الأسبوعية إضافة إلى سيطرته على الصفقات العمومية و فوزه بصفقة الطريق شرق – غرب لإنجاز 1720 كيلومتر من الطريق السيار و التي تعتبر تكلفتها الأغلى على المستوى العالمي إذ كلفت خزينة الجزائر 13 مليار دولار بمعدل سبعة ملايين دولار و نصف للكيلومتر الواحد، و رغم ما أنفق عليها فهي لم تصل إلى المعايير العالمية.
تلك الثروة التي حصل عليها “علي حداد” يجمع الجزائريون و متتبعي الوضع الاقتصادي للبلاد أنه لم يراكمها بأنشطة تجارية و لا صناعية و لا حتى فلاحية، بل هي مقدرات خرجت من خزينة الدولة الجزائرية مباشرة إلى حساباته، و هذا ما يجعل الملاحظين الاقتصاديين يعتبرون “علي حداد” مجرد واجهة و أن صاحب تلك الثروة الحقيقي هو الرئيس “بوتفليقة” الذي قدم كشفا بممتلكاته قبيل وضعه ملف الترشح للعهدة الخامسة حيث أظهر نظافة يد عجيبة بامتلاكه لمنزلين متواضعين و سيارتين فقط.
لهذا فاعتقال “علي حداد” يشرح ما خفي، إذ أن رجل الأعمال استعان بجواز سفر بريطاني من أجل مغادرة التراب الجزائري متجها إلى تونس، و كان ينوي بذلك الهروب نهائيا من الجزائر بعد أن تأكد من قرب غرق سفينة “بوتفليقة”، خصوصا و أنه مقرب جدا من دوائر القرار بقصر المرادية، و هو ما يرى فيه النظام الجزائري و على الخصوص “السعيد بوتفليقة”، خيانة للأمانة و محاولة من “حداد” الفرار بتلك الثروة.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك