بـقـلـم : بن بطوش
مرة أخرى نجد أنفسنا مضطرين للخوض في السجال بين الجارتين، و مرة أخرى يطالبنا القراء برأينا في أسلوب تدبير الدبلوماسية الجزائرية تطور الأحداث، و التي يبدو أنها – من غير المستبعد- أن تعلن القطع النهائي للعلاقات مع المملكة المغربية، بعد بيانين متتاليين في أقل من أسبوع، تتهم فيهما الجزائر جارتها الغربية بدعم حركتي “الماك” و “رشاد”؛ المتسببتين –حسب النظام الجزائري- في حرائق غابات منطقة لقبايل…. هذه الاتهامات يراها بعض المتابعين لهذا السجال أنها كانت موجودة حتى قبل الحرائق، لدرجة أن الشعوب المغاربية من نواكشوط إلى طرابلس لم تفاجئها الاتهامات الجزائرية، و علقت عليها بالدعابات و التندر و النكت، و وسط كم التعليقات و التدوينات كتب أحد التونسيين متسائلا: لماذا حرائق روسيا و تركيا و إيطاليا و اسبانيا و اليونان و جنوب فرنسا و البرتغال…، كانت بسبب ارتفاع درجات الحرارة، إلا حرائق الجزائر فهي بسبب الأيادي الخارجية؟ !!…، و كأن غابات الجزائر مقدسة و لا تأتيها النار إلا من الأيدي الآثمة… !!
نحن كرأي عام صحراوي، نحاول قدر المستطاع تبني خطاب العقل و المنطق من أجل الشعوب المغاربية، بعيدا عن مناورات الأنظمة الحاكمة، و نحتاج لبعض الشجاعة في هذا الدور حتى لا تتحمل أجيالنا الفاتورة الأخلاقية لاندلاع حرب بين الجارتين، تضيع بينهما الشعوب الصغيرة، و حتى لا يتهم الشعب الصحراوي بالاستثمار في خلاف الإخوة…، لأن وثيرة الخلاف بين المغرب و الجزائر بلغت ذروتها، و من المنتظر أن تتفاقم الأوضاع مستقبلا، و أن تصل إلى القطيعة النهائية مع وجود تصريحات و نية من الجانب الجزائري على الخصوص بالسير في اتجاه تجميد العلاقات الدبلوماسية، و هذا دونما شك يجعل قضيتنا الصحراوية أحد أركان الخلاف بين الدولتين، و يزيد من حجم الاتهامات لقضيتنا، و آخر فرية لشعب الفايسبوك المغاربي أن وجه لمدونين جزائريين سؤال يقول : هل تقبل الجزائر خسارة 40 مليون مغربي لأجل سواد عيون 40 ألف صحراوي…؟ و هنا تبدأ المواجهة المغاربية مع قضيتنا بفتح قوس المصير المشترك.
لن نتوغل كثيرا في الرمزيات، بل نختار وضع شرح لبيان وزارة الخارجية الجزائرية الذي كال الاتهامات للرباط، و وجه سهام النقد لوزير الخارجية المغربي “ناصر بوريطة” بعدما وصف البيان مواقفه بالمكر الدبلوماسي…، لكنه بالمقابل تلطف في وصف تل أبيب، إذ قال “لعمامرة” في بيانه أن “للرباط رغبة مكتومة في جرّ حليفه الشرق أوسطي الجديد في مغامرة خطيرة موجهة ضد الجزائر وقيمها ومواقفها المبدئية“…. و في تعاليق شبه رسمية ربط محللون جزائريون على القنوات الرسمية للبلاد، بين البيان و ما جاء في التصريحات الأخيرة التي تناقلتها وسائل الإعلام الدولية لوزير الخارجية الإسرائيلي “يائير لابيد” و التي قال فيها: “نحن نتشارك بعض القلق بشأن دور دولة الجزائر في المنطقة، التي باتت أكثر قربا من إيران و هي تقوم حاليا بشن حملة ضد قبول إسرائيل في الاتحاد الإفريقي بصفة مراقب“.
الطريقة التي تمت بها صياغة بيان الخارجية و تضمنه لنبرتين، و اعتماده بنية هجومية جديدة بالتركيز و للمرة الأولى على شخص وزير الخارجية المغربي “بوريطة” دون التهجم على النظام المغربي، في خلاف مع ما دأبت عليه مجلة الجيش التي تعد محددا للسياسة الجزائرية و لسان قصر المرادية، فيما يشبه تقسيم للأدوار بين المنابر، ثم و صف الجزائر لدولة إسرائيل بالقوة العسكرية الشرق الأوسطية، و هذه نبرة تختزل بعض التخوفات، مع العلم أن البيان الصادر عن مؤسسة دبلوماسية كان القياس يتطلب أن يركز على المخاوف الدبلوماسية، و هذا ما يؤكد أن الجهة التي حددت فقرات البيان ربما لا تنتمي إلى الذات الدبلوماسية للدولة الجزائرية، بقدر ما أنها استغلت منصة وزارة الخارجية لتمرير هواجسها و كشف مخاوفها، و قد تكون تلك المخاوف صادرة عن قادة الجيش أو رئاسة البلاد.
لكن الرأي العام الجزائري ظهر غير متناغم مع الدولة الجزائرية، و يبدو أن البيان لم يطرب كثيرا النشطاء، خصوصا رواد الحراك و قادته، الذين اعتبروا فقراته تقليدية و لا جديد فيها…، و أنها تكريسٌ للعداء مع الجيران و تزكية لنظرية المؤامرة و العدو الذي ينام على حدود البلاد، و أضافوا أن التطبيع بين الرباط و تل أبيب يبقى شأنا مغربيا صرفا، و لا دخل للجزائر به، و أن النظام يتناقض مع مبادئه كلما تعلق الأمر بالجار الغربي، حيث قال أحد النشطاء من أرض المهجر بأن البيان كان خطوة متوقعة بعد رفض الجزائر المساعدة من المغرب لإطفاء الحرائق في لقبايل، و سردوا أحداثا مشابهة تعود إلى سنة 1980 حين ضرب الزلزال منطقة الأصنام (الشلف حاليا)، و خلف خسائرا في الأرواح و البنية التحتية، حينها رفضت الجزائر مساعدات الرباط بدعوى أن المغاربة لم يلغوا الإحتفال بالعيد الأضحى بعدما تم إلغائه في الجزائر و بذلك لم يحترم المغرب مشاعر الجزائريين.
يضيف مدون من منطقة لقبايل أن الذرائع تتعدد لكن الرغبة في المحافظة على حد معين من العداوة مع المغرب ثابت، بل و هو عقيدة لدى قصر المرادية، غير أن وصولها إلى هذا المستوى خلال الأيام الأخيرة لا يبرره غير الخوف من قدرات الدولة العبرية خصوصا العسكرية، و إمكانية نقل تلك القدرات إلى الجيش المغربي الذي يبدو أنه يعيش مرحلة بناء ثانية أكثر تحديثا و قوة، و يزيد المدون بأن الجزائر التي خاضت ثلاثة حروب ضد جيش المغرب؛ حرب الرمال و حربي أمكالا 1 و 2، دون أن تتمكن رفقة الجيش الصحراوي من تحرير إقليم واحد، رغم العتاد المتواضع للجيش المغربي آنذاك، و دعم المعسكر الشرقي.
ما عرى عنه بيان الخارجية يجعلنا نجزم نحن الصحراويون الذين تُؤلمنا جراح هذا الشعب الصامد، بأن الجزائر ليست بخير، و بالتالي فإن قضيتنا ليست بخير، و قد لا تكونا بخير خلال العشرية القادمة، لأن المؤشرات الاقتصادية التي تبنى عليها قوة الدول الإستراتيجية، لا تدعو للتفاؤل، و أن احتياطي الصرف الجزائري تآكل ليصبح فقط 17 مليار دولا بعدما كان قبل سنوات قليلة يتجاوز الـ 600 مليار دولار…، و هذا المؤشر لوحده يكفي لإشعال نار الخوف في القلوب الجزائرية و الصحراوية.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك