بقلم: الغضنفر
يصعب على الشعوب التي تحترم نفسها أن تضع مقود قضاياها المصيرية بين يدي قادة يقررون بالانفعال و الارتجال و ليس بالتفكير و الروية، لأن أمثال هؤلاء القادة يحولون بمزاجيتهم المريضة الأحداث العرضية و الأزمات العابرة التي يمكن التخلص من آثارها بالضغط على زر التجاهل، إلى قضايا شائكة تسبب للقضية عيوبا و عاهات يستحيل إصلاحها.
وليس من السهل كذلك في قضيتنا الوطنية العثور على ذلك القائد الذي يجمع بين الروح الثورية، التي ترفض الخنوع و الاستسلام مهما كانت مكامن ضعفنا و مهما بلغ المحتل من قوة و جبروت، و بين التعامل مع الأحداث بروح المنطق الذي يفرض إحكام العقل قبل الإقدام على خطوة سياسية أو عسكرية، بمعنى التعاطي مع المواقف الصعبة للشعب بعقلانية و تدبر كي يزيل عنه الشدة و المحن بأقل الخسائر.
ربما قد يكون ناجحا في بعض الأحيان “إظهار القوة خير من استعمالها”، و قد تبين ذلك في قضية “قندهار” أو المنطقة العازلة بين “الكركارات” و المعبر الحدودي الموريتاني، التي تعتبرها قيادتنا أرضا محررة رغم أنها لم يسبق لها أن بسطت سلطاتها عليها منذ وقف إطلاق النار، و ظلت أرضا لا يسري فيها أي قانون، الشيء الذي استغلته بعض الجماعات خصوصا من المهربين للمخدرات و السيارات لبسط نفوذها بالمنطقة، دون أن تعرقل حركة المسافرين والناقلات المتوجهين عبر “الكركارات” إلى موريتانيا و الدول الإفريقية الأخرى.
إلا أنه بعد إقدام المحتل المغربي على عملية لطرد المهربين بالمنطقة و البدء في عملية تعبيد الطريق ما وراء الكركارات على مسافة 3800 متر في اتجاه الحدود الموريتانية ، ردت قيادتنا – بعد تنفيذ أكثر من نصف الأشغال- بإرسال بعض السيارات الرباعية الدفع على متنها بعض الجنود و عناصر الدرك الوطني يترأسهم قائد الناحية العسكرية الأولى، لثني عمال الشركة على مواصلة أشغال التعبيد.
هذه الخطوة التي أقدمت عليها قيادتنا رغم أنها لاقت الكثير من التطبيل على صفحات الفايسبوك، لا تهدف بتاتا إلى معاكسة تعبيد الطريق الموجود أصلا، بل أملتها ظروف داخلية لتلميع صورة القائد الجديد “ابراهيم غالي” على أنه رجل أفعال لا أقوال، و أنه – على النقيض من سلفه الراحل – لا يكتفي بالتهديد من بعيد بل يقوم بتنزيل التهديدات قبل التفوه بها.
و مما يؤكد أن القيادة الصحراوية غير جادة في الدخول في مناوشات عسكرية مع قوات المحتل هو العدد القليل للسيارات و العناصر و الأسلحة التي تم بعثها إلى منطقة “قندهار”، و التي تمت تحت أنظار عناصر أممية، بالإضافة إلى أن جغرافية المنطقة و ضيق المساحة بين جدار العار و الحدود الموريتانية (حوالي 4 كيلومترات) تجعل العمليات العسكرية محسومة بدون أدنى شك لقوات الاحتلال.
إن الأمر لا يعدو سوى زوبعة في فنجان، و قضية للاستهلاك الإعلامي لنفض الغبار عن جبين القيادة الجديدة التي تلقت في الشهور الأخيرة مجموعة من الضربات لعل أبرزها ما وقع في القمة الأخيرة للاتحاد الإفريقي، و بالتالي كان لزاما عليها التحرك بأقصى سرعة لرفع معنويات الشعب الصحراوي، خصوصا البسطاء منهم، قبل فوات الأوان، لذلك وجدت في قضية طريق قندهار الفرصة لإنقاذ ماء الوجه.
التاريخ علمنا بأن الاحتلال سيزول مهما طال الزمن و أن كل البنيات التحتية التي أنشئتها الدول الاستعمارية في مستعمرات سابقة بقيت للشعوب الأصلية عند استقلالها، و بالتالي إذا كنا نؤمن بأن الدولة الصحراوية حقيقة لا رجعة فيها، نعتقد بأنه من الغباء السياسي افتعال مشكل حول تعبيد أربع كيلومترات من الطريق، في الوقت الذي لا تحرك قيادتنا ساكنا أمام تعبيد و ترصيف العشرات بل المئات من الكيلومترات داخل مدن الصحراء الغربية و خارجها…بمعنى أن القيادة الصحراوية تعاني انفصاما خطيرا في التعامل مع قضية قندهار ، ففي الوقت الذي كانت هناك عصابات تنشط داخل المنطقة ظلت تتفرج و حينما حاول المحتل تطهير المنطقة عاكسته و هو ما سيعطي الانطباع بأن قيادتنا كانت الراعية الرسمية لتلك العصابات و أنها تقف حجرة عثرة أمام حرية التنقل.