الرئيس الجزائري يزور روما من أجل منع العقوبات الأوروبية على بلاده، و “ميلوني” تستغل الزيارة لتحقق الأمن الطاقي لإيطاليا
بـقـلـم : بن بطوش
كان من المفروض أن نُناقش في هذا المقال الحوار الأخير للرئيس الجزائري و تجرئه على القضية الصحراوية من خلال قوله بأن “الجزائر أضاعت فيها ملايير الدولارات”، لكن ما تسرب من زيارته إلى روما و قصة العرض الروسي لقصر المرادية الذي جعل الرئيس الفرنسي “ماكرون” يزور –على عجل- روما في شهر يونيو الماضي، و ما حدث من توافقات بين الرئيس “عبد المجيد تبون” و “جورجا ميلوني”، استدعى منا التعجيل بنشر هذا المقال، حتى لا يزايد أحد على قضيتنا الصحراوية بأنها سبب بلاء دولة حليفة أو يتهم أهالينا اللاجئون بتندوف الذين يفتقرون لكل شيء بأن ملايير من الدولارات صُرفت عليهم و أن ثروات وطنٍ بُددت من أجل سواد عيونهم؛ إذ كان القياس ان تنافس الجزائر دول الخليج العربي في التنمية و الرقي و مستوى الدخل الفردي لو أنها استثمرت ثرواتها لتطوير البلاد، لكن قيادة هذا الوطن فضلت أن تضيع ثرواتها في إغناء أرصدة جنرالاتها و في إشعال حروب لكسر الأصابع مع الأوروبيين و مع الجيران …، و لم تستخدمها لتطوير البلاد و لتشغيل الماكينات الاقتصادية التي تذر الذهب و الفضة.
صحافة قصر المرادية صوّرت لنا الرئيس الجزائري “عبدالمجيد تبون”، و هي تغطي الزيارة التي قام بها إلى إيطاليا، و لقاءه بـ “جميلة روما”، “جورجيا ميلوني”، كبطل لفيلم هوليودي، وسيم و مفتول العضلات، يصادف في سفره بسيارته على طريق طويلة و خالية، امرأة أرستقراطية شقراء بأعين زرقاء و قد توقفت بسيارتها على جانب الطريق بعدما تعطلت إحدى العجلات و نفذ معظم البنزين، فيتوقف ليساعدها في مشكلتها و يصبح بطلها الخارق… !!؛ منحها إطار سيارته و بنزينه و سترته كي يقيها برد الطريق الأمريكي، ثم غمرها قبل المغادرة بعبارات تنطوي على غزل يرضي غرور أنوثتها…، الرئيس الجزائري ربما اعتقد أن الأمور ستسير كما في قصص الحب و أن “جميلة روما” ستتخلى عن إيطاليا كاملة و ستهجر كل شيء و ستخرج لتبحث عنه ، ظنا منه أن المرأة تحركها العاطفة و ليس العقل و أنها وفية للكلام المعسول و التضحيات النبيلة، و أنها ستتخلى على من اشترى لها السيارة و بنا لها قصرا و ستبحث عن من أصلح إطار سيارتها على قارعة الطريق.
“جورجيا ميلوني” كسرت قاعدة المرأة العاطفية؛ لأنها سياسية أوروبية يمينية في غاية التطرف، و أوروبا لا أخلاق لها و تضع مصالحها في أعلى مقامات الإيمان الإستراتيجي للحكومات، و النظام الجزائري العاطفي و القومجي…، سبق و أن أمدّ فرنسا بالدماء و حارب بجيوش من المساكين لتحرير التراب الفرنسي، و النتيجة أن باريس ترفض حتى الإفراج عن جماجم من قتلوا في حربها ليحظوا بدفن لائق عوض العرض في المتاحف، و المصيبة أن الرئيس “عبد المجيد تبون” لم يخسر في هذه الزيارة ثروات الوطن فقط، بل خسر علاقاته الاستراتيجية مع روسيا، بعد أن ورطته اللعوب “ميلوني” و هي تصف موسكو في الندوة الصحفية، بـ “الدولة المعتدية”، و تقول على الرئيس الجزائري أنه صديق لإيطاليا و أنه سيساعدها لتجاوز أزمة الطاقة في بلادها، و أنه سيوفر الغاز لهذا البلد كي تنجو إيطاليا من موسم البرد القادم، و الذي من المتوقع أن يكون الأشد منذ نصف قرن، بسبب التغييرات المناخية.
ما لم يتم الحديث عنه في الإعلام الجزائري و سرّبه الإعلام الفرنسي، هو أسباب الزيارة المستعجلة، لأن “ميلوني” كانت قد منحت سفارة إيطاليا في الجزائر الضوء الأخضر لترتيب زيارة رسمية خلال شهر شتنبر المقبل، لكن الرئيس الجزائري طلب أن يزور روما بشكل مستعجل، بعد علمه بأن الاتحاد الأوروبي يستعد لفرض عقوبات على الجزائر، و أن فرنسا تضغط على مجلس الأمن لإدانة الجزائر و اتهامها بتمويل الإرهاب، و استخدام ثروات البلاد من أجل نشر الفتنة و الفوضى في أوروبا و شمال إفريقيا…. و في حال نجاح باريس في إلصاق تهمة تمويل الإرهاب بالنظام الجزائري، فقد نشهد أمورا خطيرة في شمال إفريقيا، و قد يتم الحجز على أموال الجزائر في أوروبا و أمريكا و قد يتم منع دول العالم من التعامل مع الجزائر اقتصاديا و سياسيا و دبلوماسيا، و قد نشهد عمليات عسكرية داخل الجزائر من طرف حلف “الناتو”.
و ما يؤكد أن الجزائر أصبحت تحت مجهر التحالف الغربي هو الاختراقات التي تقوم بها طائرات الاستطلاع التابعة لحلف “الناتو”؛ إذ سجلت رادارات الملاحة الجوية الدولية على موقع flightradar24 منذ بداية شهر يونيو اختراقا للسيادة الجوية الجزائرية من طرف طائرات أوروبية، إذ جرى رصد مروحية sikorsky MH-60Rseahawk الأمريكية التابعة لـ “الناتو”، و هي تستبيح المجال الجوي الجزائري بتاريخ 21 يوليوز2025، و قبلها بتاريخ 19 يوليوز 2025 تم تسجيل اختراق آخر من طرف ثلاثة مروحيات أمريكية من نفس الطراز و هي مروحيات حربية تستطيع رصد الغواصات، و بتاريخ 07 يوليوز 2025 رصدت الرادارات الجزائرية طائرة إيطالية عسكرية من طراز ATR 72-600MPA و قد دخلت المجال الجزائري بعد إقلاعها من مطار مالقا الإسباني، و ظلت الطائرة تمسح سواحل الجزائر و لم تستجب لنداءات أبراج المراقبة، و قبلها بساعات كانت المروحية الإيطالية LEONARDO AW139 التابعة لحرس السواحل الإيطالية قد حلقت فوق مدينة وهران لساعات طوال، و هي طائرة تفتيش جوي تشتغل بالتنسيق مع قوات “الناتو”، و لم تطلب التصريح لدخول المجال الجوي الجزائري، و يتم إرسالها لتفقد المناطق التي تنشط بها شبكات الهجرة و الإرهاب و تجارة المخدرات.
الحكومة الإيطالية رفضت تقديم تبريرات للنظام الجزائري، و أبلغت قصر المرادية بأن الأمر مرتبط بالإتحاد الأوروبي و قوات “الناتو” التي تخضع للولايات المتحدة الأمريكية رغم أن الطائرات هي إيطالية، و حسب الإعلام الفرنسي فإن النظام الجزائري توصل من اليساريين الفرنسيين بخطة الإليزيه لتوريط الجزائر في قوائم الإرهاب، و إصدار عقوبات ضد النظام الجزائري و محاصرته دوليا، مما دفع الرئيس الجزائري للذهاب بسرعة إلى روما من أجل “الفيتو” الإيطالي داخل الإتحاد الأوروبي، حتى لا تفرض فرنسا عقوبات على “مكة الثوار”، لكن ما الثمن الذي دفعه ” نجل بوبغلة” لقاء هذه الخدمة الإيطالية؟؟؟
المصادر تقول بأن موسكو هي من حركت المياه الراكضة بين أوروبا و الجزائر، حين عرض الكريملن على قصر المرادية شراء مجمل إنتاج “سوناطراك” من الغاز الموجه إلى أوروبا و بثمن السوق الدولية، مما يعني أن روسيا كانت ستجعل الجزائر تسترجع حقوقها على الغاز الذي تحصل عليه إيطاليا ألمانيا و فرنسا بثمن زهيد، و أن الخزينة الجزائرية كانت ستنتعش بملايير الدولارات الإضافية التي ينهبها الأوروبيون باسم الصداقة من الاقتصاد الجزائري، دون أن يلتزموا بوعودهم، و أن قصر الإليزيه بعد علمه بالخطة الروسية مع الجزائر لمحاصرة أوروبا ، أرسل “ماكرون” إلى روما للقاء زعيمة اليمين المتطرف بقصر “كيجي”، كي يبلغها ما تخطط له موسكو، و كانت الجزائر في حال قبولها بالعرض الروسي ستخسر كل شيء مع الأوروبيين، و ستتعرض للعقوبات، لكن في المقابل كان العرض الروسي بمثابة ورقة تفاوضية لقصر المرادية مع الأوروبيين الذين أزعجوا النظام الجزائري بطائراتهم الاستطلاعية، ليفضل “تبون” التخلي على العرض الروسي و إغضاب “صديق العالم و حامي استقلال الجزائر” (بوتين)، و تقديم خدمة مجانية للرباط، مقابل أن يحظى برضى “ميلوني” و “ماكرون”.
رئيسة الوزراء الإيطالية التي صدعت رؤوس الأوروبيين بدفاعها عن إفريقيا ضد الاستغلال الفرنسي لثروات هذه القارة المقهورة، اليوم هي شريكة لفرنسا في استغلال ثروات الجزائر، و ابتزاز قصر المرادية الذي يلعب بشكل عشوائي و ارتجالي على المستوى الإستراتيجي، و كان الأحرى في ظل هذا المكر بين موسكو و أوروبا أن ينجح قصر المرادية في انتزاع تنازلات أوروبية كبيرة لصالح الاقتصاد الجزائري أو لصالح القضية الصحراوية، لكن خوف النظام من العقوبات الأوروبية و من الثورات الداخلية جعل ” نجل بوبغلة” يقبل بالشروط الأوروبية مقابل السماح له ببعض التعابير في ندوة صحفية حول دعم المبعوث الأممي و حق الشعب الصحراوي و الإشارة إلى الوضع المأساوي في غزة، و الطريف في الندوة كان مشهد خجل الرئيس “تبون” من طلب تغيير جهاز الترجمة خلال حديث “ميلوني”، و التظاهر بأنه يفهم ما تقول له رئيسة وزراء إيطاليا التي وصفت روسيا بالدولة المعتدية، و تفاعل “عبد المجيد تبون” مع وصفها بضحكة غبية، رغم أن رئيسة وزراء إيطاليا تفادت الحديث عن قضيتنا الصحراوية…. و هذا ما جعلنا نختم هذا المقال بالتساؤل إذا ما كان الرئيس الجزائر قد مُنِح -عن قصد- جهاز ترجمة معطل، لتمرير العبارات دون أن يحتج عليها؟ أم هي محض صدفة خائنة…؟
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك