بـقـلـم: بن بطوش
لا نزال متفوقين في القراءات الصحفية؛ لأننا حين نزل الرئيس البيلاروسي ضيفا على الجزائر دون أن يحضر معه وفدا اقتصاديا، كانت جميع المنابر داخل الجزائر و حتى في فرنسا تتحدث عن زيارة لعقد الشراكات…!!، حينها انفردنا بقراءة مختلفة التي قلنا فيها أن “الكسندر لوكاشينكو” لم يأتي بحثا عن فرص للاستثمار لبلاده، بل جاء يلعب دور حمامة السلام و مرسول الحب، و أحضر معه في يده اليمنى ثمرة و في يده اليسرى جمرة ليُخيّر النظام الجزائري بين الضفتين (موسكو أو واشنطن)، بعد أن منع الرئيس الأمريكي خيار الحياد عن قصر المرادية في هذا الاختبار القاسي …، و كانت الجزائر على ارتباط مع نظام فنزويلا باتفاق للدفاع المشترك، و المثير أن حتى نظام كوريا الشمالية كان له اتفاق صداقة سري مع فنزويلا ينص على دعم بعضهما في حالات الحرب و الكوارث… !!
قبل قرارنا بدباجة هذا المقال حول ما جرى في فنيزويلا من هجوم خاطف للجيش الأمريكي و اعتقال رئيس البلاد من غرفة نومه مع زوجته، كان بحوزتنا كم من المعلومات المربكة، بل و حتى المتناقضة، و التي منعتنا من تحليل الحدث في خضم تطوراته و الاكتفاء بمقال إخباري يجتر ما تتداوله المنصات الإخبارية نقلا عن وزارة الدفاع الأمريكية و البيت الأبيض…، لكننا رفضنا أن نَرُوغ عن خطنا التحريري و عن أسلوبنا التحليلي لتوفير زاوية فهم أكبر و أوضح لك أيها القارئ الكريم…، ذلك أن ما نحن بصدد فرده بين يديك هو قراءات بإسقاطات موضوعية تسبر تأثيرات هذا الانهيارالفنزويلي على القضية الصحراوية التي فقدت واحدا من أعظم داعميها في العالم، و سقوطه ليس خسارة للشعب الصحراوي فقط، بل حتى “الهنتاتة” الأقزام فقدوا باعتقاله أحد مصادر البحبوحة المالية التي كانوا يتلقونها منه و يحولونها إلى استثمارات شخصية بأمريكا اللاتينية، و فقد فيه النظام الجزائري حليفا يشارك قصر المرادية عادات الخطاب الشعبوي و ظاهرة الثروات الملعونة التي تنذر للمعارك و العناد و نصرة القضايا المستعصية، و كان النظامين يتبادلان الدعم و الإطراء و التحفيز على الأخطاء.
بعد اعتقال “مادورو” و نشر الرئيس “ترامب” لصورته مذعورا على حسابه في منصة X و هو يرتدي بذلة رياضية تحمل علامة NIKE الأمريكية، رغم أن “مادورو” هو عرّاب سياسة محاربة السلع الأمريكية، لكنه لم يستطع مقاومة عشق تلك الماركة الأمريكية… بعد تلك الصورة يمكننا الحكم بأن النظام الجزائري لم يتخلى عن صديقه كما فعل حين صوت لمشروع القرار الأمريكي بمجلس الأمن الذي يسمح بطرد حركة “حماس” من غزة …!! بل هذه المرة بحث بحكمة عن الخيار الأكثر تعقلا، و لم ينصت لنداء “النيف”،و على الشعب الجزائري أن يشكر الرئيس “تبون” لأنه لم يقل في خطابه البرلماني الأخير أن كراكاس خط أحمر…، لكن ثمة ما يجب أن يخشى منه الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون” بمراجعة علاقاته مع باريس؛ لأن فرنسا ترى في الأسلوب الأمريكي الذي أطاح بالنظام الفنزويلي نموذجا يمكن القياس عليه، و قد زرع الإليزيه الأسباب في مجلس الأمن، بإدخاله لقضية لقبايل إلى الأمم المتحدة و تدويلها، و قد تكون هذه القضية بديلا لملف المخدرات الذي جر واشنطن إلى نفط فنزويلا، لأن قبول فرنسا و صمتها على تحرك أمريكا لإسقاط نظام “مادورو” دون الاستفادة من ثروات ذلك البلد، قد يكون له بديل مكلف للجزائر.
فأهم الخلاصات التي يجب تعلم دروسها، هو ما يجعلنا نفهم كيف تخلى المعسكر الشرقي الذي ننتمي إليه عن أحد رموزه… !!؟، لأن فنزويلا ليست مجرد دولة اشتراكية، بل كانت معبدا للبلشفية و اللينينية و صداعا موروثا عن الإتحاد السوفياتي في رأس البيت الأبيض، و اكتفاء موسكو بإدانة الحرب على فنزويلا، و نقل الرئيس للمحاكمة في واشنطن، و إنهاء عصر اليسارية بهذا البلد – عطفا على خطاب الرئيس “ترامب” الذي قال أنه من سيدير البلاد لما يصب في مصلحة الفنزويليين–، يجعلنا نعود إلى الحرب في أوكرانيا، التي منعت أمريكا و حلفائها سقوط النظام بها، و أصبحت ثقبا أسودا يبتلع الناتج الخام للاقتصاد الروسي، بينما فنزويلا لم تتجرأ دولة واحدة على إرسال رصاصة نحاس واحدة رمزية لدعمها… !!؟
هذا الدعم الغربي لأوكرانيا و عجز المعسكر الشرقي عن دعم فنزويلا يشرح وضع المعسكرين، ويؤكد قوة واشنطن و حلفائها، و يدفعنا لفهم أكبر لما جرى لقضيتنا الصحراوية في نكبة أكتوبر 2025، و كيف كان المحتل المغربي شديد الدهاء و هو يفاوض حملة الفيتو الخمس ليحسم حل الحكم الذاتي كخيار أخير للنزاع؟ ولماذا يربح في رهاناته الكبرى مع حلفائه، كما فعل يوم دعم الثورة السورية ضد نظام “الأسد”، و عندما أدان نتائج الانتخابات في فنزويلا التي شهد كل العالم أنها كانت مزورة…؟؟؟؟، بينما حلف قصر المرادية أغلظ الأيمان أنها نتائج طاهرة و لا تشوبها الشكوك، حتى أصبحنا نؤمن أن المحتل المغربي من الدول التي تمتلك نخبا استراتيجية قادرة على إدارة الأحداث و توقع مصيرها و نتائجها.
ما جرى في فنزويلا يحتاج منا إلى قراءة عميقة، و لتتحقق هذه القراءة وجب أيها الكريم تجميع بعض المعطيات و تركيبها للوصول إلى صورة المشهد الأخير، عبر العودة خطوة إلى الوراء قبل ثلاثة أيام من الهجوم الأمريكي على العاصمة كراكاس، حين أرسل الجيش الأوكراني 91 مسيرة بعيدة المدى من نوع الكاميكاز لاستهداف قصر الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، و هذا الهجوم هو ثاني استهداف مباشر لشخص الرئيس الروسي بعد الالتفاف الذي كاد يتحول إلى انقلاب من قائد قوات “الفاغنر”، “يفغيني بريغوجين”، حينها رد عليه “بوتين” بتصفية “بريغوجين” في حادث تحطم طائرة خلال رحلة عمل، و تمت التصفية بعد أن أذاع راديو الحرب الروسي معزوفة “بحيرة البجع”، التي تعني أن البلاد تعرضت لخطر داهم و أن الرد سيكون قويا.
و بعد هجوم المسيرات الأوكرانية اتصل الرئيس الروسي بنظيره الأمريكي و أبلغه أن الجيش الأوكراني تجرأ على سلامته في عمقه الأمني، و أبدى الرئيس “ترامب” أسفه الكبير على الهجوم الذي لا يخدم السلام…، و عادت معزوفة بحيرة البجع الروسية لتذاع على الموجات و التليفزيون الروسي… !!، و بعدها بثلاثة أيام أحرقت أمريكا العاصمة كراكاس و أسرت الرئيس “مادورو”.
نواصل تجميع المعطيات الذي يمنحنا قراءتين لا ثالث لهما؛ الأولى تقول بأن هجوم المسيرات على مقر الرئيس الروسي هو عمل استخباراتي محض، و الغاية منه إبلاغ الرئيس الروسي بأنه هدف مكشوف و ليس من الصعب تحديد موقعه، و أن المسيرات التي جرى توظيفها في استهداف إقامته الرئاسية مجرد أدوات لتحديد مدى قدرات الدفاعات التي تحمي الرئيس و محيطه و ليست بالتكنولوجيا الشديدة الذكاء، و أنه في حال حاول الدفاع عن فنزويلا قد تنتقل الحرب من أوكرانيا إلى داخل مطبخه…، و أن الحرب الطويلة مع أوكرانيا جعلته غير قادر على الدفاع عن فنزويلا… !!، و القراءة الثانية و هي الأقرب للواقع و تقول بأن الهجوم بالمسيرات تنبعث منه رائحة توافقات بين القوتين النوويتين، و أن أحد القادة العسكريين في الجيش الأوكراني ومن دون علم القيادة في العاصمة كييف، هو من وجه المسيرات بتحريض مخابراتي من روسيا أو من دولة أوروبية أو حتى من واشنطن…، لمنح روسيا فرصة تكرار مشهد اعتقال “مادورو” مع الرئيس الأوكراني أو حتى تصفيته في عملية عسكرية جوية، تكون مدخلا لإنهاء الحرب في أوكرانيا، و بالتالي يكون “مادورو” ضحية صفقة بين أعظم قوتين فوق كوكب الأرض، في انتظار مصير مشابه للرئيس الأوكراني ليكشف الجزء المتبقي من الصفقة….
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك