بقلم : الغضنفر
أعتقد أن ما يجري خلال الأيام الأخيرة بالنسبة لتدبير ملف معتقلي “اگديم ازيگ” من طرف القيادة الصحراوية، يشبه إلى حد كبير نظرية الفلاسفة السُفسطَائيون في حب البراغيث .. !؟ ففي إحدى مناظرات السفسطائيين قالوا إن البراغيث كائنات مفيدة ، لأنها تزيل الدم الزائد من الجسم وترغم ضحاياها على الاستحمام وبفضلها يضطر الناس لتغيير ملابسهم ، وبالتالي نشأ مُصطلح نظافة … بمعنى أنه وفقا لهذه النظرية العجيبة فإنه لولا البراغيث لما كانت هناك نظافة.
و السفسطة أصلاً معناها “المهارة”.. أي المهارة في استعراض العضلات بالكلام فقط لإثبات النفي ونفي الإثبات بحجج تبدو للوهلة الأولى مُقنعة و تتماشى مع المنطق… و للأسف، هذه النظرية العجيبة هي ما تحاول القيادة الصحراوية تطبيقه في تدبيرها لملف معتقلي “اگديم ازيگ”، حيث تعتقد بأنها كلما زادت من الجرعات السياسة و ضخمت التطبيل الإعلامي و حجم الوافدين لحضور المحاكمة، كلما كان ذلك مفيدا للمعتقلين و لعائلاتهم.
فالقيادة الصحراوية تراهن على إنزال كبير للصحراويين بمحيط المحكمة بمدينة سلا المغربية، و على حضور أكثر من 40 متضامنا أجنبيا مع القضية، و عبأت لهذا التكتل البشري إمكانات مادية مهمة، حيث تداركت النقائص التي سجلت خلال الجلسة الأولى في 26 ديسمبر 2016، عبر تمكين جل من سينتقلون إلى مدينة سلا خلال نهاية هذا الأسبوع لحضور وقفة 23 يناير 2017 أمام المحكمة، من مبالغ مالية تراوحت بين 1000 و 2000 درهم حسب نشطاء كل مدينة (الداخلة: 2000 درهم /العيون- السمارة- بوجدور: 1500 درهم/ مدن واد نون و المواقع الجامعية: 1000 درهم).
هذه المبالغ المالية لم تسلم لأصحابها، حيث حصل البعض فقط على 500 درهم بذريعة أن مجرد إعانة من بعض الرفاق، كماحصل الثعلب “ابراهيم دحان” على نصيب الأسد من هذا الدعم، حيث وُضع رهن إشارته مبلغ مهم لتغطية مصاريف إقامته بالرباط و تنقله لعقد لقاءات مع السفارات الأجنبية و الإعداد لمؤتمر صحفي قبيل المحاكمة، و كذلك لاكتراء شقة مفروشة بمدينة سلا أو الرباط، مخصصة لإيواء الوافدين تفاديا لحالة الازدحام التي سجلت خلال الجلسة الأولى بمنازل عائلات المعتقلين.
ما لا تدركه القيادة هو أن هذه الخطوة التصعيدية (إنزال) هي سلاح ذو حدين، من منطلق أن لكل فعل رد فعل، إذ قد تدفع هذه الخطوة المواطنين المغاربة البسطاء إلى التساؤل عن هذا التواجد المكثف لصحراويين بمحيط المحكمة، و بالتالي يردون – إذا ما انتبهوا إلى الخطابات السياسية التي سترفع- بتظاهرة أكبر قد تكون عنيفة، و بالتالي ينسف كل التخطيط الذي تصورته القيادة، خصوصا و أن مقر المحكمة متواجد بمنطقة تحدها من كل حدب أحياء شعبية، على عكس محيط المحكمة العسكرية التي تتواجد بحي إداري نوعا ما.
الأموال التي صرفتها القيادة الصحراوية من أجل دفع بعض الوجوه المألوفة إلى حضور المحاكمة، كان الأولى بها هي عائلات المعتقلين الذين يتكبدون منذ سنوات عناء السفر لزيارة أبنائهم بالسجن، أما المظاهرة أمام المحكمة فإنها تبقى رمزية و يكفي أن يحضرها حوالي 100 شخص لترسل الرسائل إلى من يهمهم الأمر، و أظن أن أفراد عائلات المعتقلين كانوا قادرين على حشد هذا العدد لوحدهم، بدل سياسة الترغيب المادي الذي تعاملت به القيادة مع بعض المنتفعين من الفعل النضالي، الذين اعتادوا أن يسألوا دائما عن حجم الأغلفة المادية التي ستوزع عليهم، كلما تعلق الأمر بمناسبة نضالية، لتتناسل بعدها مقارنات هؤلاء المناضلين “القبيضة” – على رأي إخواننا المصريين – للمبالغ الذي خصصت لهذا وذاك وكأن درجة النضال تقاس بحجم المبلغ المتحصل عليه.
لكن أخطر ما في هذه المقاربة التي تبنتها القيادة الصحراوية في تعاملها مع ملف المعتقلين هو الغلو في تسييسه… هذا التسييس لن يجلب – في الحقيقة- للمعتقلين بالدرجة الأولى، إلا المزيد من التعقيد لملفهم وإطالة أمد السجن بالنسبة لهم، ما لم تكن هناك مقاربة جدية للجوانب الحقوقية و القانونية والإنسانية ، عبر التركيز على الثغرات المسطرية التي من شأنها نسف القضية شكلا ومضمونا …يتبع.