بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
خلال خمسينيات القرن الماضي، اشتد الصراع داخل بريطانيا بين حزبي العمال و المحافظين، و كاد الأمر يتطور إلى فتنة سياسية تقود بلاد الضباب إلى حرب أهلية، و كان على رئيس الوزراء آنذاك”ويلسون تشرشل” أن يوضح وجهة نظره من الأزمة، و أن يكشف عن الطرف الذي يقف إلى جانبه، و بعد انتهائه من كتابة خطابه الذي سيلقيه في البرلمان حول مشروع متنازع عليه بين الحزبين المتنافسين، طلب من مدير مكتبه أن يقرأ خطابه و يعطي رأيه فيه، و بعد أن تمعن مدير مكتبه جيدا في الخطاب أجابه : خطاب جميل جدا يا سيدي لكن هل أنت مع أو ضد المشروع..؟، فرد عليه رئيس الوزراء: هذا هو المطلوب بالضبط… شكرا لك.
بين خطاب “تشرشل” و ندوات الرئيس الجزائري”تبون” الصحفية بعض التقارب، ذلك أن “تشرشل” مارس الدهاء السياسي ليجنب بلاده التشرذم و يفهم الأطراف المتصارعة سياسيا، أن قيادة البلاد لا يجب أن تتخندق مع طرف ضد آخر لأجل مصلحة الجميع، لكن “تبون” لم تسعفه الظرفية و لم يعنه الوضع بالبلاد، و غالطه التمني السياسي في أن حال البلاد و العباد قد يصلح لمجرد أنه منح الصحافة الوطنية جلسة شاي متلفزة، أجاب خلالها عن أسئلة تم التفاهم حولها قبل الحوار، الذي قال فيه أن الجزائر الأفضل قاريا و جهويا و أنها تمتلك منظومة صحية و أخرى عسكرية و ثالثة اقتصادية قوية، و أنها قوة إقليمية، و ستضرب بقوة داخل الشأن الليبي، و ستفاوض الأسبان من موقع قوة حول الحدود البحرية، و ستقود إفريقيا إلى النعيم المطلق…، متناسيا بأن التقارير التي تتناسل من مراكز التفكير الدول و معاهد الدراسات تكاد تحرج الجزائر قيادة و شعبا و هي تسقط – سهوا أو عمدا- اسم بلاد المليون و نصف شهيد من لائحة الدول الثمانين الأقوى عالميا، فهل من تفسير للأمر؟ !!!!
نحتاج فعلا كشعب صحراوي إلى فهم و تفسير لعقيدة النظام الجزائري السياسية، لأن الشك بدأ يكبر في صدورنا، خصوصا مع الحملة التي بدأت تواجه قضيتنا داخليا بهذا البلد الذي ساندنا لحوالي الخمسة عقود، و هو اليوم يمر بواحدة من أصعب مراحله، و قبل الخوض في تقرير مركز US News & World Report الأمريكي، و الذي يزكي ما قامت به الصين قبل أيام حين اجتمعت بالأفارقة افتراضيا و أقصت القضية الصحراوية و لم ترضخ لضغوط جنوب إفريقيا و الجزائر، و عرضه لتقرير مفصل عن نادي الثمانين للقوى العالمية و تغييبه للجزائر من القائمة، في الوقت الذي حصل فيه المحتل المغربي على الرتبة الـ57…، و حتى نتوفق في وضع القراءات التي تخص قضيتنا، نعود قليلا إلى سنة 2017 و التصريح الذي كان قد قاله وزير الخارجية الجزائري في منتدى الاقتصاد حين هاجم دولة المغرب و مصر و تونس و قال أن في شمال إفريقيا لا يوجد فيه غير الجزائر كقوة و كدولة مستقرة و لها قدرات كبيرة، حينها اعتقدت القيادة الصحراوية بالرابوني بأن الجزائر نضجت بها الطموحات و أن الطفرة ستحدث لا محالة، و أن الرجل الدبلوماسية الجزائرية لم يتحدث من فراغ، بل من مخطط رآه في غرف النظام السرية و ما قاله كان تباشير الصباح لجعل البلاد قطبا عالميا.
و كأن ما قاله “مساهل” كان لعنة على الجزائر، منذ ذلك الحين و البلاد تحصد النقاط السلبية في التصنيفات، فقد حلت في الرتبة 57 على مؤشر الدول الأكثر تأثرا بالإرهاب، و منحت الرتبة 66 في مؤشر الصحة العالمي لتتراجع بعده إلى المركز 84 في مؤشر الدول الأكثر سعادة، و صنفت في الرتبة 89 عالميا في مؤشر التنافسية، و الرتبة119 في المؤشر العالمي لجودة التعليم العالي، و حصلت على الرتبة 113 في مجال الابتكار و منحت المرتبة 159 في مؤشر الحركة الاقتصادية…، و كانت الرتبة الأكثر إهانة لعنفوان الجزائريين حين صنفت البلاد في المرتبة 173، من بين 176 دولة في مؤشر سرعة الانترنت، و تفوقت عليها دول مثل تشاد و كينيا و الطوغو و الصومال…
ما نشره المركز الأمريكي للدراسات US News & World Report هو خلاصة لهذه الأرقام التي ذكرناها، تضاف إليه بعض المؤشرات، كالإنفاق العسكري، و التضخم و النظام المصرفي، و التأثير الدبلوماسي و قوة الحضور الدولي في الأحداث الكونية الكبرى، و الوحيد ضمن هذه المؤشرات الذي يمكنه أن يساعد الجزائر لإنقاذ ترتيبها و إدخالها نادي الـ80 الأقوياء في العالم، هو الإنفاق العسكري، غير أن التقارير الأخيرة الصادرة عن البنك الدولي تحذر الجزائر من الكارثة الاقتصادية و تتوقع انهيارا شاملا للبلاد بعد توقعات باستمرار الصدمة البترولية و عدم وجود علاج لوباء كورونا الذي فرض على الدول خفض طلباتها من المحروقات، زيادة على الابتكار الألماني الذي بدأ تسويقه عالميا و يتعلق بإنتاج الهيدروجين كطاقة نظيفة معوضة للطاقات الأحفورية من الغاز و البترول، و ابتكار شركاتها للمحركات التي تشتغل بهذه الطاقة.
تنضاف إلى هذه المعطيات مشاكل السلاح الجزائري، بعدما اقتنت الجزائر في صفقات سابقة قياسية عتادا تجاوز خلال العشر سنوات 100 مليار دولار، لكنها رغم ذلك لم تتمكن من توفير أسلحة إستراتيجية و تخللت الصفقات مشاكل عظيمة كما هو الحال بطائرات السوخوي su-30 التي تحتوي على معدات قديمة، و أخرى تظم أجهزت اتصال و رادارات من صناعة إسرائيلية تجعل من تلك الطائرات أهداف سهلة في الحرب الإلكترونية، بالإضافة إلى مشاكل تمويل صفقة طائرات su-34 و طائرات su-35 التي يقال أن قيادة أركان الدفاع في الجزائر قد ورطت مالية الدولة في صفقات تسلح غير ضرورية استنزفت احتياطي العملة الصعبة للبنك المركزي.
ما تصدره US News & World Report يعد مرجعا عالميا، لأن المركز يقدم استشارات و خبرات إلى الإتحاد الأوروبي و الدولة الأمريكية لأجل بناء سياسات بعيدة المدى، و حين يصنف مركز من هذا الحجم المحتل ضمن النادي الضيق للقوى العالمية، فهذا يمنحنا استشرافا عما ستكون عليه العلاقات الدولية مستقبلا، و أن الرباط فعلا وجدت مكانا ضمن قائمة الدول القوية، و أنها تتمتع بوقف قوي جدا و إسقاط الجزائر من لقائمة يفيد بأن موازين القوى داخل الإتحاد الإفريقي قد تغيرت للأبد.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك