بـقـلـم : بن بطوش
في غرفة نقاش مغلقة، و بعد أزيد من أربع ساعات من النقاش اقتربنا فيها من أذان الفجر، استعصى علينا خلالها إيجاد تفسير منطقي و موضوعي يفكك لغز ما حدث بمدينة باتنة الجزائرية من تفجير لسيارة مفخخة، و كانت الغرابة الأشد في الصمت الإعلامي الدولي و العربي و المحلي و كأن الجميع اتفق على أن الحادث و ضحاياه بلا قيمة…. طال بنا النقاش إلى أن انخرط معنا أحد الجزائريين الذي كانت مجمل مداخلاته عبارة عن دروس في تضحيات الشعب الجزائري و الدماء التي سالت من أجساد الشهداء لنيل الاستقلال، و أخبرنا أن الاستقلال لا ياتي بالشعارات بل الحرب التي تأكل الأخضر و اليابس، و أن الرجال تفرد صدورها للرصاص و الموت كي تحيا الأجيال…، حينها سألته بكل أدب و بكل حكمة و كياسة، عن السبب الذي يجعل النظام الجزائري يحوّل قضيتنا الصحراوية و شعبنا إلى حطب يؤجج به نار صراعه مع المحتل المغربي؟ و لماذا لم تخض الجزائر حربا مباشرة مع الرباط انتقاما لما حدث سنة 1963 و انتصارا لنا نحن الشعب الصحراوي الكريم المظلوم و المهان؟ و لماذا لم تحشد لنا المقاتلين و السلاح و العتاد، مثلما حشدتهم للأزواد في حربهم ضد مالي… !!؟
هذا “الشيكور” الجزائري الذي قضى نصف ساعة يُنظِّر و يجيب الجزائريين عن تساؤلاتهم التاريخية من بطولات المجاهدين كي يخبرنا أن ضحايا باتنة هم من المجاهدين…، صمت بعد سؤالي الذي يبدو أنه بعثر له سرديته عن الوطنية، و أجابني بنرفزة: “أنت عميل للمخزن، أنت ذباب صهيوني… !!“، و بعد أن تلفظ بكل العبارات المسيئة، أخبرته أنني مجرد صحفي حر أحمل إلى الغرف المغلقة تساؤلات المواطن الصحراوي البسيط، و أنني لا أمثل أي تيار بل أنا فقط صوت الوعي الصحراوي الباحث عن مساحة نقاش أكثر واقعية بعيدا عن شعبوية “الهنتاتة” و قذارتهم السياسية…، و بعد أن سمعني للمرة الثانية، ازذاذ تشنجه و صاح: “قلت لكم هذا عميل المخزن” ثم نادى في من يديرون الغرفة “يا الأدمين نحيه علينا، هبطو راه يمرر فالمغالطات و يطيح فحق المجاهدين…”.
أسلوبه لم يكن شعبويا، و لم يكن ديماغوجيا و لا حتى راديكاليا…، بل كان بلطجة فكرية لم أستغربها و لم أشعر تجاهها بأي مشاعر نفور أو عداء و لا حتى أي رغبة في الإنتقاذ، أحسست أنني أتقبلها و يتسع صدري لها خصوصا و أنني حضرت الغرفة بعد أن أنهيت استماعي للحوار الذي أجراه الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون”، الشيكور الأكبر، و الذي أجاب على سؤال الصحفي، بخصوص انسحاب دولة الإمارات العربية التي يفضل أن يناديها هو بـ “الدويلة”، بعبارة “لا حدث”، و هي العبارة التي لو نطقها الأمير السعودي القوي لوافقت وضعه؛ لأن الآبار التابعة لشركة “أرامكو” السعودية تنتج 11 مليون برميل نفط يوميا، و لو قالها الرئيس الأمريكي لقلنا أن “الكاوبوي” الأمريكي لا يرى في الإمارات العربية قوة طاقية، لأنه يقود أقوى دولة في العالم و بلاده تنتج يوميا ما يعادل 14 مليون برميل من النفط، لكن الذي قالها هو الرئيس الجزائري الذي تنتج بلده 900 ألف برميل فقط… !!، فيما تنتج الإمارات العربية يوميا 6 ملايين برميل.
الرئيس “تبون” أو “الشيكور الأول ” في الجزائر الذي إختار أن يكون أول رئيس في العالم يعلق سلبا على انسحاب الإمارات من منظمة المنتجين “أوبك” و “أوبك بلس”، لم يكن بنفس الحماس و بنفس الشكيمة و هو يجيب على سؤال ملف الصحراء الغربية و مستجدات القضية الصحراوية، حيث لمسنا في جوابه بعض الإحراج و هو يقول بأن هناك توصية للأمم المتحدة (يقصد القرار 2797 المشؤوم) و أن الأمم المتحدة ماضية في تطبيق حلها و أنه لن يعترض… !!، قال هذا الجواب باللغة الفرنسية و بصوت هادئ و نبرة خافتة و هو ينظر إلى المساحة خلف الصحفيان، و يده تعبث بربطة عنقه مرة و مرة يلوح بها في الهواء… و انتقل – دون أن يكون هناك سؤال في الموضوع – إلى القضية الفلسطينية ورفع من نبرة صوته للقول بانه مع حق الفلسطينيين في قيام دولتهم في حدود 1967، و هي كلها علامات على أنه تلقى توصيات بعدم المجازفة بأي تصريحات تسيء إلى الوساطة الأمريكية في الملف الصحراوي…
و هكذا بدا الرئيس الجزائري مقيدا و غير قادر على استخدام العبارات التي ألفناها منه، كقوله: “نحن مع الشعب الصحراوي في تقرير مصيره”، و قوله “لا توجد أي قوة يمكنها أن تفرض على الصحراويين حلا لا يريدونه”… و تصريحه: “نحن مع الشعب الصحراوي في الدفاع عن حقوقه بأي طريقةو اللي بغا يندب يندب”…، لكن هذه المرة، كل ما سُمح له بقوله، هو أن الأمم المتحدة ماضية في تطبيق حلها… !!، و هنا كان القياس أن نشعر نحن الشعب الصحراوي بالإحباط، لأن الحل الذي انبثق عن مجلس الأمن نهاية أكتوبر الماضي، هو القرار 2797 و البقية تعرفها أيها القار ئ الكريم.
الحقيقة أن تصريحات الرئيس الجزائري، و الطريقة التي تمت بها معالجة السؤال عبر القنوات الرسمية الجزائرية، لم تؤثر بأي شكل على الشعب الصحراوي، و لم تخلف أي موجة سخط كتلك التي خلفها القرار الأممي 2797؛ لأن الشعب الصحراوي مباشرة بعد إذاعة اللقاء الصحفي و سماعهم لجواب الرئيس الجزائري، تأكد بأن قوة الضغط الأمريكي أكبر من أن يتحمله قصر المرادية، و أن واشنطن حين وضعت يدها على الملف، فهي لم تعد تستشير الجزائر بل تبلغها بالخطوات التالية، و أنها تحدد للنظام الجزائري حدود تحركه في الملف، و بين الفينة و الأخرى تعمد أمريكا إلى منح النظام الجزائري مساحة لاستعادة الكبرياء، عبر تصريحات لمسؤولين أمريكيين، من قبيل أن واشنطن تسعى لتقريب وجهات النظر بين الأطراف، و أن البيت الأبيض يبحث عن حل متفق بشأنه و مقبول من كل الأطراف.
مع العلم أن العالم بأسره يعرف بأن أمريكا و الرباط و الإتحاد الأوروبي لا يهمهم مشاعر النظام الجزائري و لا مشاعر الشعب الصحراوي، و لا يعيرون أي اهتمام لكرامة “الهنتاتة” الأقزام، و يضعون برنامجا دقيقا و بأجل واضح لحل الملف و على الجميع احترامه، لكن داخل البرنامج توجد فواصل و مساحات تحافظ بها واشنطن على الكبرياء الجزائري، كرد فعل به بعض الامتنان الأمريكي تجاه النظام الجزائري الحالي، على ما قدمه قصر المرادية للبيت الأبيض من تنازلات معدنية، ما كان أي رئيس أمريكي قبل “دونالد ترامب” ليحلم بها، و نحن نضيف إلى هذا الامتنان بأن على الإدارة الأمريكية أن تشكر الشعب الصحراوي، و أن تراعي بعض كبريائه و هي تفرض حل الحكم الذاتي، لأنه لولا ملف هذا الشعب الكريم ما وضعت الشركات الأمريكية يدها على مقدرات الجزائر، و ما كان لواشنطن أن تقهر باريس التي تتمتع بحقوق حصرية منذ 1962.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك