إن المتتبع لأطوار إعادة محاكمة أبطال “اكديم ايزيك” الأخيرة بسلا المغربية يخلص إلى استنتاج موضوعي بعيد عن المزايدات الإعلامية مفاده أن الفصل الأخير من المحاكمة كان إجمالا لصالح أطروحة الاحتلال الذي نجح في تعزيز صورة قضاءه.
المغرب الذي تعامل بذكاء ورزانة مع هذا الحدث أضاف لرصيده-شئنا أم كرهنا- مواقف و شهادات ايجابية جديدة عبر عنها العديد من الملاحظين والمنظمات الحقوقية الدولية المهتمة بحقوق الإنسان تؤكد على التفاعل الايجابي للمحكمة وفق المساطر المعمول بها وخاصة مع مطالب و دفوعات الدفاع.
المحكمة استجابت على سبيل المثال لمطلب إخضاع” المتابعين” في حالة اعتقال احتياطي للخبرة الطبية؛ وذلك بناء على ملتمس تقدمت به هيئة الدفاع عنهم وهي الخبرة التي عهدت للبروفيسور فضيلة آيت بوغماز، رئيسة الطب الشرعي بالمستشفى الجامعي ابن سينا، بالإضافة إلى كل من البروفسيور مراد اليعقوبي المتخصص في جراحة العظام، و شكيب بوهلال طبيب الأمراض النفسية، في حين جرى تحديد مصاريف الخبرة في 500 درهم عن كل متهم، ستؤديها الخزينة العامة للمملكة المغربية.
كما حددت المحكمة يوم الـ13 من شهر مارس المقبل كتاريخ للجلسة الموالية المخصصة للنظر في باقي الدفوعات وجوهر الدعوى، في حين قررت عدم قبول استدعاء كل من الطيب الشرقاوي، وزير الداخلية المغربي الأسبق، و كجمولة منت أبي و أمرت باستدعاء كل من محمد السلماني والبشير السلماني ومحمد بلقاسم ومحمد أوبها و والحسن دليل كشهود، بالإضافة إلى محرري محاضر الاستماع للدرك الملكي المغربي.
في نفس السياق عللت “النيابة العامة” ذلك إلى وجود اختلالات شكلية في دفوع هيئة دفاع المتهمين، و التي تتعلق أساسا باستدعاء بعض الوزراء و كتاب الدولة، لافتة إلى أن قانون المسطرة الجنائية المغربي، ينص على أنه لا يمكن استدعاؤهم إلا بعد إذن من المجلس الوزاري.
و أضافت المحكمة انه “بالرغم من مراعاة هذه الشكلية، فإنه من حيث الموضوع فإن أعضاء الشهود، من لجنة الحوار و كجمولة منت أبي و الوزراء، ليسوا شهودا على الأحداث التي جرت خلال تفكيك المخيم أو كانوا حاضرين أثناء وقائع المتابعة”؛ و هو ما جعل النيابة العامة ترفض هذا الدفع الذي تقدمت به هيئة الدفاع.
و في الوقت الذي تساءل فيه “الوكيل العام للملك” عن القيمة المضافة التي سيقدمها استدعاء محرري الضابطة القضائية كشهود في هذه القضية، اعتبر أن باقي الشهود الذين تحدث عنهم الدفاع لم يكونوا في مسرح الأحداث، مسندة النظر في ذلك إلى المحكمة.
وفي المقابل، رفضت المحكمة ملتمس هيئة الدفاع بتمتيع المتهمين بالسراح المؤقت، كما دفعت برفض الدفع الداعي إلى عدم اختصاص غرفة الجنايات الاستئنافية بملحقة محكمة الاستئناف بسلا بهذه القضية مبررة ذلك بوجود 24 قرارا من محكمة النقض يؤكد البت في غرفة الجنايات الاستئنافية وليس الابتدائية، كما أن هناك العديد من القرارات الصادرة عن محكمة النقض في هذا الإطار.
أما في ما تعلق بمسألة التعذيب، فقد شددت “النيابة العامة” على أن “التفتيش جرى في إطار قانوني، كما أن إجراءاته كانت في إطار ما ينص عليه قانون المسطرة الجنائية”، مشيرا إلى أن “كل ما يتعلق بالحراسة النظرية كان تنفيذا لتعليمات الجهة القضائية، وجرى احترام جميع الشروط”، كما شدد على أن “ادعاءات المتهمين مجردة وغير مبنية على أي أساس”.
و أوضحت “النيابة العامة” كذلك أنه، “خلال مرور المتهمين لدى قاضي التحقيق، “لم يكن هناك أي طلب بشأن عرضهم على الخبرة الطبية”، محيلة في هذا السياق إلى “تصريحات سابقة لهم تؤكد أن ما ورد على ألسنتهم كان بدون إكراه وبكل طواعية، خاصة حينما كانوا يتحدثون عن محاضر الضابطة القضائية. كما أكدوا، خلال الاستنطاق التفصيلي، أن تصريحاتهم كانت بدون ضغط أو إكراه ولا توجد أية إشارة إلى التعذيب”.
الغرض من سرد بعض الحيثيات القانونية و المسطرية هو إظهار أن قرارات المحكمة كانت منطقية و منسجمة و ذات حجية قانونية قوية تتماشى و المساطر القانونية للمغرب والتي لا تختلف إجمالا مع شروط المحاكم الدولية المعمول بها دوليا على اعتبار أن القضية يتم التعامل معا كقضية تتعلق بجرائم الحق العام بعيدة عن أي محاكمة سياسية.
كما أبانت هذه المحكمة، التي تعاطت مع الموضوع بكل أريحية، أن العدو أصبح أكثر واقعية وذكاء واستعد بما يكفي للحدث من خلال تعبئة خبراءه القانونيين لكي تمر المحاكمة في أجواء ايجابية لصالحه على جميع المستويات بما في ذلك الجانب التنظيمي و اللوجستي في مقابل الارتجال والتطبيل والتهليل لانتصارات وهمية من طرف قيادتنا الوطنية لا تجد صدى لها إلا في العالم الأزرق الافتراضي.
فمادمنا أننا قبلنا بمحكمة مغربية وفق القانون المغربي فما علينا سوى أن نقبل بها و بمساطرها وقوانينها وهو ما يمكن اعتباره خطأ تكتيكيا جسيما ارتكبته القيادة الصحراوية ضدا في موقف ورأي اسود ملحمة اكديم ايزيك الذين كثفوا أسابيع قبل 23 يناير الجاري من نقاشهم المستفيض داخل السجن حول الموضوع والذي أفضى إلى اتخاذ موقف مقاطعة جلسات المحاكمة و التزام الصمت وهو ما كان سيربك المحتل.
لكن للأسف هذا الموقف رفضته القيادة الوطنية جملة وتفصيلا دون أن تكلف نفسها عناء مناقشته و دراسته بما يكفي وراهنت، بالمقابل، على الانخراط في المحاكمة من اجل “إحراج المحتل” وخدمة لدعاية إعلامية و سياسية محكوم عليها بالفشل مسبقا انطلقت مع إطلاق الحملة الوطنية والدولية من اجل إطلاق سراح معتقلي اكديم ايزيك.
هذه الحملة التي كغيرها من الحملات السابقة والكثيرة لم يتحقق منها شيئا لا في الميدان بالمناطق المحتلة ولا بالجامعات المغربية ولا بمخيمات العزة والكرامة ولا بأوروبا ولا على المستوى السياسي والحقوقي….اللهم تبذير أموال الشعب الصحراوي وربح معركة إعلامية مبالغ فيها ليس لها صدى سوى في وسائل التواصل الافتراضي والمواقع الالكترونية.
و هنا لابد من تحميل المسؤولية لمعتقلي اكديم ايزيك الذين تراجعوا بسهولة وبانصياع تام عن قرار المقاطعة و خضعوا لمنطق التعليمات الصادرة عن القيادة التي لازالت و للأسف الشديد لا تؤمن بأي نقاش للقواعد وما يتمخض عنه من قرارات، مفضلة الإنصياع أمام إملاءات جمعية “العمل المسيحي من أجل مناهضة التعذيب”، المعروفة اختصارا بـ (ACAT)، التي لا هاجس لها إلا تسييس الملف لأجل الحصول على الصراح المؤقت للنعمة أسفاري زوج الفرنسية “كلود مانجان” أحد الأعضاء البارزين في هذه الجمعية، و لا يهمها ما يمكن أن يتكبده باقي المعتقلين و أسرهم.
و في هذا الصدد استحضر مثل رجل كان يملك ديكا جميلا يصيح بانتظام عند كل وقت أذان صلاة الفجر. وذات يوم طلب منه الرجل، ظلما، الكف عن الصياح وأن يشارك الدجاجات في حضن البيض تحت التهديد بذبحه إن رفض ذلك. و هو الأمر الذي قبل به الديك عن مضض ودون نقاش أو مقاومة.
و بعد مرور شهر من ذلك طلب منه الرجل أن يبيض كل يوم بيضة اسوة بباقي الدجاجات تحت طائلة نفس التهديد. وبعد هنيهة من التفكير و لما علم الديك انه أخطأ منذ الوهلة الأولى عندما قبل بالتوقف عن الصياح الجميل فجرا وبأنه محكوم عليه بالموت منذ أن تنازل في بادئ الأمر، رفض طلب صاحبه الأخير بكل شجاعة و أجابه بأنه كان عليه أن يكون ميتا منذ أن طلب منه حضن البيض بدل عيشة الذل.
المذلة و الاهانة كانتا كذلك من نصيب الوفود التي تجشمت عناء السفر لمدينة سلا لحضور المحاكمة رغم البرد و أجواء الشتاء حيث أن اغلب من حضر و خاصة ممثلي السمارة المحتلة عانوا الأمرين خلال تواجدهم هناك جراء تنكر القيادة و أمناء الفروع الثورية و الهيات الصحراوية لهم فيما يخص الدعم المادي والمعنوي.
ولنا عودة لموضوع المهانة والذل بالنسبة لبعض المناضلين الذين حضروا المحاكمة.
كتائب سيدي أحمد حنيني
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]