بقلم : الغضنفر
كثيرة هي المخططات النضالية التي سطرتها القيادة الصحراوية للمناطق المحتلة، و التي غالبا ما توقفها دون سابق إنذار، و دون إعطاء شروحات أو تقييم لها لمعرفة مكامن الخلل فيها، حتى لا يتم تكرارها في مخططات أخرى… و من بين المخططات التي توقفت أذكر خطة تنظيم رحلات لفائدة وفود من المناطق المحتلة و جنوب المغرب لزيارة مدن جزائرية أو مخيمات أهالينا بأرض اللجوء، أو ما يعرف بـ “الوفود الحقوقية”، التي انطلقت في نهاية سنة 2009 و توقفت تقريبا منذ المؤتمر الاستثنائي لتنصيب “إبراهيم غالي” أمينا عاما جديدا للتنظيم السياسي.
فقد لوحظ بأن القيادة الصحراوية تخلت بشكل تدريجي عن سياسة “الوفود الحقوقية” التي يتم استدعاءها للمشاركة في ملتقيات واحتفالات يتم تنظيمها سواء بالجزائر أو بالمخيمات، اللهم الزيارة الاستثنائية التي حضي بها كل من “الغالية الدجيمي” و زوجها “الدافا” في شهر فبراير الماضي خلال احتفاليات الذكرى الواحدة و الأربعين لقيام الجمهورية الصحراوية، أو بعض الأفراد الذين شاركوا مؤخرا في دورات تكوينية بالمخيمات بإشراف من جمعيات اسبانية .
إلغاء رحلات جديدة لفائدة “الوفود الحقوقية”، خصوصا و أنه لا مؤشرات عن ترشيح وفد لحضور الجامعة الصيفية ببومرداس هذه السنة، يطرح أكثر من علامات استفهام حول دوافع هذا القرار: بمعنى هل قرار توقيف الرحلات جاء نتيجة لتقييم موضوعي لمسار هذه الزيارات و مدى نجاحها و فشلها في تحقيق الغاية من وراء تنظيمها؟… أم أن الأمر مجرد إجراء تقني يروم ترشيد نفقات القيادة الصحراوية بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر و تبعاتها المباشرة على خزينة الدولة الصحراوية؟
و ترى الغالبية من المناضلين بأن السبب راجع بالأساس إلى انقطاع التمويل، حيث أن العملية كانت تشرف عليها و تمولها المخابرات الجزائرية، تحت غطاء “اللجنة الوطنية الجزائرية للتضامن مع الشعب الصحراوي”، التي كان أعضاءها هم من يتكلفون باستقبال الوفود عند المطار و يسهرون على إسكانهم بفنادق تابعة للسلطات الجزائرية، كما أن المنح يتم تسليمها للسفارة الصحراوية بالجزائر للتمويه على مصدر التمويل.
و هناك من يرى بأن القيادة الصحراوية قد قررت عدم تنظيم هذه الرحلات، بسبب اقتناعها بأن هذه الإستراتيجية كانت عقيمة منذ البداية أو على الأقل – مع توالي الوفود- دخلت مرحلة الرتابة و الابتذال بسبب عجز أفراد هذه الوفود عن القيام بأي شيء يخدم منظومة النضال عند عودتهم إلى المناطق المحتلة، و ذلك رغم كل المجهودات الذي تبدل ماديا و معنويا خلال الزيارة، من خلال السهر على الأنشطة و الخطابات و اللقاءات مع مسؤولي الدولة الصحراوية، و رغم كل الأموال التي يتم صرفها لتأمين تنقل الوفود و إقامتهم و تمكينهم من منح في آخر الزيارة.
فإذا كانت القيادة قد وصلت إلى هذه القناعة بعد سنوات من التطبيل الإعلامي الفارغ لهذه الوفود، فهذه الحقيقة تطرقنا لها غير ما مرة عبر موقعنا في أوج تنظيم هذه الرحلات، و قلنا حينها بأن “عمر بولسان” يستغل برمجة هذه الزيارات و يقوم بحشد العاهرات ضمن الوفود بغاية إشباع نزواته و نزوات بعض الأطر الصحراوية على شاكلته، و أن المحتل يستفيد كثيرا من هذه العملية على المستوى الاستخباراتي من خلال الزج بعملائه داخل هذه الوفود و تسهيل عملية التعرف على نشطاء الجبهة بالمناطق المحتلة، و كذلك على المستوى الحقوقي من خلال الدفاع عن احترامه لحرية التعبير و التنقل.
الحقيقة أن القيادة الصحراوية عندما فكرت في تنظيم هذه الزيارات نهاية سنة 2009، كانت تهدف بالأساس “ضرب عصفورين بحجر واحد”، أي تقوية الجبهة الداخلية من جهة و طمأنة اللاجئين بالمخيمات، من جهة أخرى، عبر توسيع قاعدة الصحراويين الفاعلين ضد سلطات الاحتلال لإرساء دعائم مقاومة سلمية دائمة بالأراضي المحتلة على غرار ما يقع في فلسطين، و هو ما يفسر تضخيمها لأعداد كبيرة لبعض الوفود التي وصلت في أكثر من مرة إلى حوالي 70 فردا.
و من جهة أخرى لا أحد ينكر بأن حالة الانتظار و توقف الحرب منذ أكثر من ربع قرن و عدم وجود بوادر لحل مشكل الصحراء في المستقبل القريب و المتوسط ، ناهيك عن الظروف المعيشية و المناخية بالمخيمات، تجعل المواطن الصحراوي اللاجئ يعيش نوعا من الضغط النفسي يؤدي إلى حالة احتقان جماعية مزمنة، و هو ما جعل القيادة الصحراوية تفكر في جلب هذه الوفود إلى المخيمات كنوع من التنفيس على الأهالي، من أجل تقديم شهادات أمامهم حول الانتهاكات لحقوق الإنسان بالمناطق المحتلة، و حول وجود مقاومة سلمية لن تتوقف إلا بانتزاع الاستقلال.
لذلك كانت تتم برمجة بعض المهرجانات الخطابية لهذه الوفود بالولايات و كذلك زيارات ميدانية إلى النواحي العسكرية بغاية رفع معنويات الساكنة و أفراد الجيش الشعبي بنفس الخطابات الحماسية…إلا أنه مع توالي الوفود اكتشف اللاجئون حقيقة هذه الوفود و أصبحوا ينعتونهم بـ «الصفاقة”ن بحكم غالبيتهم مجرد تافهين من ذوي المستويات البسيطة و المنحرفين و العاهرات، بمعنى أن وجود هذه الوفود و المشاكل التي يفتعلونها بالمخيمات نتيجة سلوكاتهم المنحرفة بدأت تعطي نتائج عكسية.