بقلم: حـسـام الـصـحراء
و أنا في بحثي المضني عن الدروس و العبر كي أسوقها – مكرها- إلى ولاة أمورنا ممن وضعنا بن أيديهم مستقبل القضية الصحراوية، ليس تمسحا على الأعتاب أو بحثا عن المنافع أو تقربا من كرسي، بل إخلاصا لقسم ثورة العشرين ماي الخالدة و وصية الأجداد و دماء الشهداء… و أنا في غمرة المرارة التي تحضرني مع كل محاولة فهم ما يصيب القضية، صادفت درسا غريبا في مقال يعود إلى سنة 2004، يتحدث عن التسونامي الذي ضرب بلدان آسيا و قتل أزيد من 120 ألف إنسان على طول السواحل الآسيوية، كانت كارثة.. وقف العالم أمامها بذهول.
و كان الدرس بالنسبة إلي أكبر من فهمي البسيط لتعقيدات الكون، حيث انتبه بعض العلماء و هم يحصون خسائر الكارثة و يدخلون الجثث في الأكياس، أن التسونامي لم يصب المدن و القرى فقط بل ضرب محمية أسترالية هائلة، لكنه لم ينل من مخلوقاتها، فقط بعض جثث القطط التي وجدها الإعصار شاردة على الساحل، إذ استشعرت معظم الحيوانات تفاصيل ما سيحدث و انتقلت إلى الأماكن التي عرفت أن الإعصار لن يدركها، و هذا ما جعلني أستغرب كيف أن الإنسان بكل تقنياته و ذكائه و مراصده و أقماره و أمواله و حمقه و تعقله… لم يتعلم من حيوانات غير عاقلة كيف يتجنب إعصارا قضى على أزيد من 120 ألف إنسان في رمشة عين.
أعود بكم إلى القضية الصحراوية و في جيبي كَمٌ لا ينتهي من السخرية و الدروس، حيث أن منصة المقارنات في الكوارث يفرض عليَّ أن أصف ما أصاب القضية بالأمم المتحدة و الاتحاد الإفريقي و مجلس الأمن و الكركرات و باناما و جنيف و الإتحاد الأوروبي … بتسونامي عظيم جعل قلوبنا متناثرة على شاطئ القضية، و أصاب سفينتنا بشقوق و أضرار يصعب إصلاحها في شهور أو حتى في سنوات، و هذا ما يجعلني أدعو عقلاء القضية للتفكير بجد في مقترح تزويد قادتنا بقرني استشعار دبلوماسي كالذي تمتلكه الحشرات، أو وضع قطط دبلوماسية في حقائب مبعوثينا يمكنها شم روائح المؤامرة بأيام قبل حدوث المصيبة…
حتى الرئاسة التي تجهد نفسها في الأيام الأخيرة و توظف كل اتصالاتها و علاقاتها من أجل الضغط على المحتل و جره إلى نزال في مفاوضات مباشرة و هي لا تمتلك حتى برنامجا تدافع عنه على الطاولة، و لم تُعد مقترحا فيه خطوة إلى الأمام، حيث نراها عاجزة أمام رشاقة الدبلوماسية المغربية التي توظف النخب الصحراوية داخل و خارج الأراضي المحتلة بتعقل كبير، وهي النخب التي نحتاجها كثيرا كي نرتقي بالأداء الدبلوماسي للقضية إلى مرحلة التأثير، و مها قيل عن النخب الصحراوية بالأراضي المحتلة، فهي تضل على قدر عالي من الكفاءة و القدرة.
و أعتقد أن “إبراهيم غالي” يحتاج إلى مستشار له بصيرة الهدهد، و إلى مفاوضين بليونة الأفاعي، كي يواجهوا العدو الذي يعيش عصرا دبلوماسيا ذهبيا، خصوصا و أننا لن نكون في مواجهة المغرب فقط و أرمدته، بل سيكون علينا مواجهة المبعوث الشخصي الأممي الألماني، الذي ينتمي إلى مدرسة عقيدتها الدبلوماسية صارمة جدا، لا تؤمن الا بالمنطق و الواقع و لا تعير اهتماما لتفاصيل الحماسة في الخطاب، بل الأخطر أن المبعوث الشخصي الجديد لن يلعب دور الوسيط بين الطرفين كما كان “روس”، بل سيكون مفاوضا أي انه سيقترح حلولا و سيضغط بوسائله لتنفيذها….
إذ كنا في ما مضى نعرف الألمان من الرياضة و لا تتمنى كل فرق العالم ملاقاتهم، فالآن سنتعرف عليهم عن قرب في الدبلوماسية التي شأنها شأن “المانشافت”، لا تقبل أنصاف الحلول بل ستضغط على القيادة للتخلي عن تشنجها و تعصبها للاستقلال و سيحاول المبعوث الألماني جعل العدو يعدل مقترحه في الحكم الذاتي، و الغاية هنا ستكون تقريب المسافة بين الطرفين و أظن الخاسر في العملية ستكون القيادة لأن أوراق ضغطها تساوي الصفر فيما العدو عودنا على المفاجئات و الضرب بقوة في اللحظة التي نظن أننا أضعفناه.
أما نحن… الشعب الصحراوي الذي كلما حلت به الأهوال إلا و أبدعت له القيادة أملا اصطناعيا تماشيا مع حكمة الأجداد “ولا هي نحانو شدوق الجمل يطيحوا” هذه العبارة التي تحضرني و أنا أنظر إلى الجولات القادمة من المفاوضات بعين القيادة.. لما بعد نكبة الكركرات.. لهذا يفرض علينا الوضع قرع أجراس الإنذار للتسونامي الدبلوماسي القادم الذي أظن أن العدو وضع تصوره و أعد أضراره بشكل مسبق فيما نحن نظن أنه منشغل بأزمته الداخلية و أنه أضعف من أن يقدم على مغامرة دبلوماسية، و هو على النقيض تماما يقلب جميع الأزمات إلى أدوات عمل تتحول في يده إلى نصر غريب و عجيب.. لهذا و قبل أن تعلو أمواج الكارثة و تحيط بملف القضية أدعو قادتنا للتفكير بجد في مقترح تزويد قادتنا أو تدريبهم على تقوية حواس الاستشعار أو الشم و إن استعصى عليهم الأمر فأنا أدعوا القيادة للتعاقد مع المحمية الأسترالية و توظيف دبلوماسيين من البرّية كي نختصر المسافة إلى الأمان.