بقلم: حسام الصحراء
حَدَثَ في سنة 1990 أن تمكن ” دييغو مرادونا” من صناعة مجد فريق إيطالي منسي هو “نابولي”... حينها لم يصدق سكان تلك المدينة الجنوبية أن إبن بوينس أيرس قاد فريقهم لتحقيق الدوري الأول و كأس إيطاليا..غير أن ذلك المجد الذي لم يتعود عليه شعب نابولي كان أكبر من أن تتحمله أعصابهم؛ جعلهم يتوجهون إلى مقبرة المدينة و هناك علقوا لافتة كبيرة خاطبوا بها الموتى حيث كتبوا عليها: “آه لو تعلمون ماذا فاتكم”.
و أنا لا أجد أبلغ من هذه العبارة لأخاطب بها شعبنا الصحراوي في خلاء تندوف، و أحدثهم عن الانتخابات التي مرت بالأراضي المحتلة، لقد بدأت التفكير في كتابة لافتة مماثلة غير أنني لن أعلقها في مدفن الرابوني بل أمام البيت الأصفر، ليس نكاية في الموتى الصحراويين بل حزنا على أحيائهم، كي أقول لهم :”أه لو تعلمون ماذا فاتنا.. !!“
فبعد أن وضعت الانتخابات التي مرت بالأراضي المحتلة أوزارها و انقشع غبارها و أحصت الأحزاب مكاسبها و خسائرها.. و تشكل مشهدها السياسي السريالي، خرجنا نحن الصحراويون الذين فضلنا الاختفاء لحظة الحدث لأننا نظن أن تلك المعارك الانتخابية التي دارت رحاها بمدن الصحراء الغربية لم تكن جزءا من حربنا مع العدو و لا تخصنا في شيء، و لما خرجنا نتحسس خيوط ضوء اليوم الموالي وجدنا كل شيء قد تغيّر و كأننا لبثنا ألف سنة خارج أسوار مدن الصحراء.
ما حدث أن تلك الانتخابات أراد لها عدونا أن تكون درسا أكاديميا في السياسة؛ ليس لأنها أظهرت عمق الإصلاحات و لا لأنها خطوة عملاقة في الديمقراطية المستقبلية، أو أنها تمثل ضمانة أمام العالم على الوعي الانتخابي لهذا البلد .. كل هذا كلام للاستهلاك الصحفي، بل لأن العدو أراد لها أن تكون جملة مجازية يضعها في حقيبة المبعوث الأممي “كريستوفر روس”، و هو يزور المنطقة ليخبره أن تلك الانتخابات في المناطق المحتلة كانت تقرير مصير اختار به سكان الصحراء الغربية البقاء تحت سلطات الرباط، عبر دخولهم أفواجا في أحزاب المملكة و قبولهم بالخضوع لدستورها و قوانينها.
و حتى تختم الرباط هذا الملف بالشمع الأحمر فقد استدعى الرئيس الفرنسي في توقيت قياسي، حيث لبى دون تردد الدعوة و جاء في ركب مهيب و ضمت قافلته الوزراء و رجال الأعمال و الرياضيين و الأمنيين و الفنانين و العلماء و الأدباء و حتى الأصدقاء من جميع الأديان و الألوان، يحملون صندوق هدايا ممتلئ بالمشاريع التي ستذر الذهب على المملكة..، و كأن فرنسا “هولاند” مجرد مقاطعة تابعة للرباط، كل هذا كان رسالة واضحة السطور و العبارات موجهة إلى محبوب الجماهير الصحراوية “كريستوفر روس” بأن الفيتو الفرنسي هو طوع يد الرباط، و في ذلك فليتنافس المتنافسون.
نعود إلى الانتخابات و قصعتها التي أثخنت بطون أهل الصحراء و جعلتنا نرى منهم عجبا، فمنهم من تعرف بها على دين الله و أصبح يصلي الفجر و يقيم الليل و يصوم نصف أيام الأسبوع لعل الله يمن عليه بكرسي ذهبي في مجلس منتخب أو يكرمه برئاسة لا تفنى، و منهم من عانق المستوطنين و صاحبهم مواطنا مواطنا و تجول في أحيائهم… زنقة زنقة …و بيتا بيتا، و منهم من بدد ثروته و أقام المآدب و جمع الأعداء و الأصدقاء في بيته، و منهم من حشد حشده و نزل إلى منافسه يتحداه متناسيا قبلية الجاهلية التي لا تزال تحكمنا في مخيمات تندوف..
كل هذا حدث و نحن مختبئون بعيدا عن الأراضي المحتلة، نصفنا في تندوف و النصف الثاني في الشتات، و لا يزال علماء الرابوني يتدارسون أمر خلافة “محمد عبد العزيز”، في الوقت الذي تمكن فيه عدونا من تقديم نفسه للعالم كالنموذج الأصلح لشعب الصحراء الغربية بعد أن استطاع تهجينه و دمجه في برامجه الوطنية الإنتخابية …فهل ثمة دروس و عبر أكبر من هذه؟