بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
إذا كان الصبر عبادة يؤديها المؤمن و هو ينزف حد الوجع، فإن الشعب الصحراوي تعبد بها كثيرا و نزف كثيرا، و أصابه من الوجع ما لا يتحمله غيره… و لا حق لأحد أن يزايد على نكباته و أن ينكأ جراحه، و أن إسبانيا التي تمنينا دوما أن تكون جزءا من الحل العادل لقضيتنا، لا تترك مناسبة تمر دون أن توغل في أديتنا و هي تختبر هذا الصبر بنكء جراحنا، خصوصا و أنها تتحمل المسؤولية التاريخية و الأخلاقية عن شتات الشعب الصحراوي في شعاب الصحراء الكبرى بين الأراضي المحتلة و فيافي تندوف و شمال موريتانيا .
فبالأمس انبرى قضائها ليستدعي الأمين العام للجبهة، و بعدها أصرت أن تسقط القضية الصحراوية من جلسات الشهر بمجلس الأمن بعدما أصبحت الرئاسة بيدها لشهر دجنبر، ثم اليوم تتحدث صحافتها عن زيارة وزير داخليتها إلى المغرب، ليؤكد لنا أن الإسبان تخلوا عن القضية الصحراوية نهائيا و فضلوا الاصطفاف بجانب العدو المغربي.
هذه الزيارة غير البريئة بسبب توقيتها الذي يتزامن و الظرف الدولي المعقد الذي يقدم ملفات الإرهاب و الأمن على القضايا المصيرية للشعوب، مع العلم بأن الإسبان يخوضون معارك بالنيابة على المغرب داخل الإتحاد الأوروبي لمنع تمرير أي قانون يجرم استغلال مقدرات الشعب الصحراوي بالأراضي المحتلة… فهل تدوس إسبانيا على ما تبقى من القضية الصحراوية من أجل أمنها ؟ … و نحن نعلم أن الإسبان لا يؤتمن جانبهم، فغدرهم بالشعب الصحراوي ليس وليد اليوم، ليبقى الغموض الكبير للشعب الصحراوي في سبب الزيارة التي يقوم مسؤول إسباني من قامة وزير الداخلية، قبل نهاية السنة، و سيجري لقاءات رسمية متلفزة مع وزير داخلية المغرب، و سيلتقى بمدير مخابراته المدنية…
هذا الغموض الذي نكشفه إلى القارئ الصحراوي ليعلم بأن الوضع لا ينبأ بالخير، لأن السياسات الكبيرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة، أصبحت تبنى على التكامل الأمني بين الدول، و الدليل على ذلك أن وصول الاشتراكيين إلى الحكم بفرنسا و اعتمادهم سياسة دبلوماسية فيها من الجفاء ما أغضب الرباط… و بعد أن اهتزت باريس هرعوا مكرهين لإعادة توطيد العلاقة، و البقية يعلمها الجميع.
نفس المنطق يجبر الإسبان اليوم على الانحناء أمام إرادة الرباط التي تتسيد الحرب على الإرهاب، قبل أن يحدث ما يجعلهم يندمون على تلك العلاقة، و هي بهذا تتفادى خطأ فرنسا… و نحن نقول هذا من باب الأمانة و الشهادة الصحفية، لأن الرباط جنبت بمعلوماتها الإستخباراتية بلدان أوروبا من حمامات دم، و هذا باعتراف الأوروبيين أنفسهم… لكن ما يؤلم القضية الصحراوية في الموضوع أن الرباط ترغم دول من حجم إسبانيا و فرنسا و ألمانيا و بلجيكا و … على الالتزام بأجندتها الدولية ضد الشعب الصحراوي كشرط للتعاون الأمني، و هو الأمر الذي لا يتردد الأوروبيون في الرضوخ له، لأن خوفهم المرضي من الإرهاب يتجاوز المنطق و الحكمة و العقل… بل منهم من يجتهد و يقترح على الرباط مساعدتها كي ينال رضا القصر كما حدث مع دولة هولاندا.
نعود إلى زيارة وزير الداخلية الإسباني إلى المغرب، لنقرأ بين سطورها ما تخفيه من أسرار مبيتة ضد الشعب الصحراوي، فالإسبان أحبطوا مؤخرا أعمال إرهابية لتنظيمات مساندة لـ “داعش” و العدو يلعب دور الدركي في حماية سواحلهم من الهجرة غير الشرعية و من تجارة المخدرات و عمل المافيات المنظمة كتنظيمات “الكارتل” الإسبانية و المغربية..، و هذا التفكيك و الإحباط للعمليات قيل أنه جاء بالتنسيق مع دولة المغرب التي تمد دول أوروبا بمعلومات إستخباراتية، على اعتبار أن الجالية المغربية فوق الأراضي الإسبانية كبيرة جدا و اختراقها صعب جدا، و خوف الإسبان من تطرف المهاجرين يرغمها على الاستمرار في إرضاء الرباط و إن جاء هذا الإرضاء على حساب القضية الصحراوية، ليكون هذا التعاون جزء من مخطط يطبخ لإغراق سفينة الشعب الصحراوي و دفنها بين الرمال … و نحن من كل هذا لا نملك غير التساؤل مرة أخرى عن الدبلوماسية الصحراوية العاجزة عن اختراق هذا الحلف المغربي الإسباني، و إنقاذ ما يمكن إنقاذه… و إن كان الأمر صعب المنال ما دامت قيادتنا تعتمد على نفس الوجوه و الأساليب.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]