بقلم : القطامي
على بعد أقل من شهر من المؤتمر السادس عشر للجبهة الذي ستنطلق أشغاله في الفترة ما بين 13 و 17 يناير 2023 ، تفاجأ المتتبعون للشأن الصحراوي بتغريدتين للدبلوماسي “أبّي بشرايا البشير” على حسابه في تويتر، يعلن من خلال الأولى استقالته من منصبه كممثل الجبهة “مكلف بأوروبا و الاتحاد الأوروبي”، موضحا بأنها نتيجة – لما اعتبره – خلافات عميقة مع “ابراهيم غالي” حول الرؤية و الأدوات، و مؤكدا بأنه يحتفظ بعضويته في الأمانة الوطنية و أنه لا ينوي الترشح مجددا خلال المؤتمر “فعلا لا شعارا”… أما في التغريدة الثانية فكتب عبارات تشبه الأحجية لتبرير قراره، حيث جاءت كما يلي: الاستقالة فعل مسؤول و شيطنتها في ثقافتنا السياسية أحد أسباب عدم التجديد و التواصل. التفريط ، هو الاستمرار في التمسك بالمنصب كـ “موظف”، بعد التأكد من عدم إمكانية تحمل المسؤولية كـ “قائد”. الاستقلال الوطني حتمية تاريخية و النضال من أجله وعد و عهد قطعناه على أنفسنا ما دام في العمر بقية .
العارفون بطريقة تفكير “أبي بشرايا” و نمط عيشته المترفة بالدول التي مر منها كممثل للجبهة ، سواء بجنوب إفريقيا أو نيجيريا أو فرنسا، يؤكدون بأن الرجل لا يمكنه أن يتخلى عن منصبه الدبلوماسي الرفيع إلا إذا كان يخطط لشيء أحسن منه، لذلك لم تنطلي عليهم خطوة الاستقالة التي أقدم عليها، و يعتقدون جازمين بأنها مجرد مناورة و تكتيك مرحلي ليكون مع الجهة الرابحة خلال المؤتمر القادم، و يفسرون اعتقادهم هذا بكون الاستقالة جاءت متأخرة جدا، لكون “أبي بشرايا” اشتغل حوالي سبع سنوات تحت إمرة “ابراهيم غالي”، و كان من الأبواق المدافعة إعلاميا عن كل الانتكاسات المتتالية لقضيتنا، و بالتالي فحديثه عن وجود خلافات مع رئيس الجمهورية الصحراوية “حول الرؤية و الأدوات”، هو مجرد محاولة منه للقفز من السفينة قبل غرقها.
“أبي بشرايا” يدرك جيدا بأن المؤتمر السادس عشر للجبهة لن يكون سهلا كالمؤتمرات السابقة و أن أشغاله ستطبخ على صفيح ساخن، بسبب النتائج الكارثية للحرب العبثية التي تخوضها القيادة الصحراوية ضد جيش الاحتلال المغربي و التي نتج عنها المئات من الضحايا؛ شهداء و أيتام و أرامل و معطوبي حرب، و التي خلقت جوا من التذمر العام وسط الصحراويين أينما تواجدوا ، حيث تم التعبير عن هذا الغضب العام خلال الندوات السياسية للجالية الصحراوية بأوروبا، لمناقشة أوراق المؤتمر الثلاثة التي أعدتهم اللجنة التحضيرية (ورقة “مشروع وثيقة الوضع الراهن”، ورقة “أرضية النقاش”، و رقة “مشروع وثيقة برنامج العمل الوطني”)، وحملت مداخلات المشاركين العديد من الانتقادات و المطالب الجريئة للقيادة الصحراوية، من قبيل:
– انتقاد إعلان الحرب دون استعداد لذلك مما أدى إلى استشهاد العديد من المقاتلين و ازدياد أعداد اليتامى و الأرامل و معطوبي الحرب و انتقاد خفض الرواتب المخصصة لأسر ضحايا الحرب مؤخرا.
– المطالبة بفصل منصب رئيس الدولة عن منصب الأمين العام لجبهة البوليساريو و انتقاد التعيين في المناصب على أساس قبلي عوض الكفاءة و الدعوة إلى التشبيب في المناصب السياسية و العسكرية.
– انتقاد تواجد الوزراء والقادة العسكريين الصحراويين لمدة طويلة بأوروبا، خاصة بإسبانيا، و منهم من استقر مع عائلته بأوروبا و لا يلتحق بالمخيمات إلا في المناسبات .
– انتقاد مجموعة من الممارسات التعسفية في حق اللاجئين كالتضييق على تعاطيهم للتجارة و نزع حصص الاستفادة من المساعدات الإنسانية من كل شخص غادر مخيمات تندوف رغم وجود عائلته في هذه المخيمات.
– انتقاد الاستحواذ على المساعدات الإنسانية التي تجمعها الجمعيات الصحراوية في أوروبا و الموجهة إلى سكان المخيمات، حيث تباع هذه المساعدات من طرف القيادة للخواص بما في ذلك الأدوية التي تباع لمصحات خاصة أصبحت منتشرة في المخيمات و هو ما يتنافى مع وضع اللجوء حيث يجب أن يتم توفير جميع الخدمات بالمجان.
في خضم هذا الجو المتوتر، يناور “أبي بشرايا البشير”، من خلال تقديم استقالته، لكي يكسب دعم و أصوات المؤتمرين الغاضبين من سياسة “ابراهيم غالي” و حاشيته المقربة، و يحاول أن يشكل مع بعض القياديين الذين ليس لهم خبرة عسكرية، كـ “عبد القادر الطالب عمر” (سفير بالجزائر)، و ابن عمومته “منصور عمر” (وزير الداخلية)، ان يطيحوا بـ “ابراهيم غالي” خلال المؤتمر القادم، من خلال السعي إلى تعديل المادة 111 من القانون الأساسي للجبهة، خصوصا البند المتعلق بشروط الترشيح لمنصب الأمين العام، و الذي ينص من بين هذه الشروط “أن تكون للمترشح تجربة قتالية”، و ذلك للسماح لأعضاء الجناح المدني للترشح لهذا المنصب، خصوصا “عبدالقادر الطالب عمر”.
نفس المسعى للإطاحة بـ “ابراهيم غالي” يتقاسمه قياديون من قبيلة الرقيبات، أغلبهم كذلك من الجناح المدني، كـ “محمد لمين ددي” (وزير مستشار لدى الرئاسة) و “محمد يسلم بيسط” (سفير بجنوب إفريقيا) و “سيدي وكال” (مسؤول بمديرية الأمن و التوثيق) و “محمد لمين البوهالي” (وزير مستشار لدى الرئاسة مكلف بالاحتياط العسكري).
في الجانب الآخر يبدو بأن حظوظ “إبراهيم غالي” باتت ضئيلة للظفر بمنصب الأمين العام للجبهة، لذلك يعمل “أبي بشرايا” على إقناع الأطر المدنية المثقفة بالتقدم لانتخابات الأمانة الوطنية و ذلك لمنافسة الوجوه الكلاسيكية، و من خلال هذا السعي يريد أن يصبح هو نفسه وزيرا للخارجية في الحكومة الصحراوية المقبلة ، مستغلا في ذلك الحالة الصحية المتدهورة لـ “محمد سالم ولد السالك” الذي عمر في هذا المنصب لعقود كثيرة دون دينامية حقيقية في الحقل الدبلوماسي.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك