بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
لن أندب الأحكام و لن أفاضل بينها.. لأن جميعها بلون الانتقام، ولن أورط رأيي في جدال الظلم و العدل.. حتى لا أشعل فتنة في عروق الشعب الصحراوي قد لا تنتهي إلا و قد أصبحنا شِيَعًا… و كل ما أنويه حتى كتابة هذه السطور، هو جمع العبر و تفريغها أمام قيادتنا كي تفهم بأن الأحكام لم تكن في حق معتقلي اكديم إزيك، بل كانت في حق الشعب الصحراوي… كانت عقابا جماعيا لنا بعدما آمنا حتى اللحظات الأخيرة بوعود القيادة و توجيهاتها… و تجاهلنا فرصة كانت أمام الجميع بمن فيهم المعتقلين، لنتجنب مشهدا جديدا في مسار الانهيار و الفشل… و كان بإمكان المعتقلين تقديم خدمة نضالية أرقى بأقل تضحية… و بأقل الخسائر.
و على ما أنا فيه من حزن، فلازال بي أمل في ما قاله “أبو الطيب المتنبي” و هو يبلغ ذروة النجاح حين رأى الأعمى أدبه و سمع من به صمم كلماته، و ليتني أنجح مثله مع هذه القيادة التي أتعبتني بعماها و صمّها و بكمها و عنادها.. ليتني أبلغ ما أدركه “أبو الطيب” من نجاح، حتى ترى قيادتنا ما نراه و تغرف من نصائحنا، فلو أننا نملك وصفة “المتنبي” لتجنبنا الكثير من الإحباط و لعالجنا كل أعطاب القضية.. شرط أن تقبل هذه القيادة ما نقول و لا تجادل.
ما حدث أن مع أول الكلمات التي أعلنتها القيادة حين سافرت شرقا و غربا و أنفقت ما لنا و ما ليس لنا كي تجيش المنظمات و الجمعيات في صفقات الكل يعلمها و أشهرها كانت مع جمعية “ACAT ” التي تنتقي بدقة القضايا للترافع عليها و تشترط السخاء في العطاء من قبل المظلومين و المسحوقين في قضاياهم، فيما العدو و كعادته فضل الجلوس في مقعده الظليل و من غير جهد قبل بإعادة اللعبة إلى نقطة الصفر بعد أن كان قد سجل علينا انتصارا في محاكمة عسكرية لو أننا قبلنا بنتائجها و فاوضناه حولها بعيدا عن الكاميرات و التصريحات العنترية لبلغنا ما لم يبلغه أحد من قبلنا.
و بعد أن قبل العدو بشروطنا، ظننا أننا فتناه في ثقته بنفسه و دحرناه أمام العالم و أن الإفراج عنهم سيحدث بمجرد أن تكسر جمعية ACAT كل أضلاع ديمقراطيته أمام العالم، و كنت أسمع في مجالس الشاي الصحراوي أن للقيادة أدلة و براهين و قرائن ستكشف عنها خلال المحاكمة و ستقلب اللعبة لصالح المعتقلين، و قيل لنا أيضا من بعض العارفين أن العدو بعد أن أنهى المحاكمة العسكرية أتلف كل الأدلة التي تدينهم.. حتى الشهود فمنهم من هاجر …و منهم من نسي… و منهم من فضل الركون إلى الصمت، و كل ما بقي لتحقيق النصر أن يلقي الدفاع بعصاه كي تلقف ما صنعه العدو… قيل لنا هذا و أجبنا عنه في مقالات بأنه محض أمل قد ينقلب حزنا و يزكم فرحتنا… لأن الجميع نسي بأننا نلعب خارج القواعد.. ضد عدو ماكر.
لم يحدث ما كنا نأمله و بهتت قيادتنا حين جرت أطوار المحاكمة في جولات تابعناها جميعا بقلوب راجفة، إلى أن صدر الحكم و كنا نرى العدو يدير فصولها بيقين من يقود المخطئين إلى الندم، بعدما وزع السنوات الطوال على المعتقلين في يوم صيفي لم تشرق فيه شمس ACAT و لم نسمع صفير رياحها ، و فقدت القيادة أخر أوراق التوت التي ضلت تسقيها من مياه العطشى بالمخيمات، و هي اليوم ما عليها غير الاعتذار من أسر المعتقلين و من عموم الشعب الصحراوي الذي ضاع منه أمل النصر و أصبح يبحث عن أنصاف نصر أو حتى أرباعه… و لا يجده.
لكنها المرة الأولى التي أرى فيها صحافة البلاط الأصفر تعجز عن تجميل الخسارة و لم تجد في ذكائها اللغوي ما يشفع لها كي تضع على الأقل هذا الذي جرى في منتصف الطريق بين النصر و الهزيمة، و لو أنهم استشاروا موقعنا لأفتينا عليهم من صحافتنا بعناوين مبدعة من قبيل “العدو يستجيب تحت ضغوط القيادة و يحول المؤبد العسكري إلى مؤبد مدني” أو “القيادة ترفض الأحكام و تطالب بالعودة إلى المحاكمة العسكرية” أو “القيادة تفكر في جولة محاكمات ثالثة” و أبرز هذه المقترحات أجدها في هذا العنوان “القيادة تقرر أخد سيلفي جماعي بشواطئ الكويرة احتفالا بالنصر الجديد”…
كما لي اليقين بأن القيادة بعد أم الخسائر في محاكمة القرن هي بحاجة إلى فكرة جديدة.. مبدعة.. لإلهاء الرأي العام الصحراوي على الأقل إلى حدود الانتخابات الرئاسية المقبلة، و لأنها تعاني الإحراج الشديد لما راكمته من هزائم، أتطوع مرة أخرى من مقالي هذا لأقدم لها هذه الخدمة و أدعو الشعب الصحراوي إلى نسيان المحاكمة و البحث معي بكل تفاني عن الأسرار التي جعلت المتنبي يرغم الأعمى على النظر إلى أدبه و يضطر الأصم لسماع كلماته… فهذا التمرين أول الطريق إلى النصر… كل هزيمة و سلفيات القيادة بخير.