الوضع الجزائري (3): بعد وفاة ”احمد القايد صالح” هل يسترجع رئيس البلاد ”تبون” كل الصلاحيات و يعلن عن قيام دولة مدنية؟
بـقـلـم : أغيلاس
لا يزال الغموض يسيطر على المشهد الجزائري بعد الرحيل المفاجئ لقائد الأركان الجزائري “القايد صالح”، عن عمر يناهز 79 سنة، و الذي خلف صدمة داخل بيت الحكم بالبلاد، خصوصا و أنه حدث أيام بعد انتخاب الرئيس الجديد “عبد المجيد تبون”، الذي لا يزال يبحث عن التوليفة التي ستخوض معه تجربة الحكم تحت ضغط الشارع الجزائري المنقسم إلى فئتين: أكبرها، السواد الرافض لنتائج الانتخابات و الذي يصنف الرئيس الجديد في خانة العصابة و يعتبر انتخابه استمرار لبرنامج “بوتفليقة” و عهدة خامسة، و الفئة الثانية التي تطالب بمنحه الفرصة ليثبت حسن نواياه و ينفذ وعوده.
بعد رحيل “القايد صالح”، يجد “تبون” نفسه أمام فرصة تاريخية و ذهبية، ليصنع المرحلة المقبلة، حيث يرى المتتبعون للشأن المحلي أن “تبون” معروف بشخصيته غير القوية، و يمكن السيطرة عليه بسهولة من طرف المؤسسة العسكرية، خصوصا و أن العديد من مقربيه أعلنوا أكثر من مرة أنه كان يخشى كثيرا من إغضاب “القايد صالح”، و كان يخاف كثيرا أن يزج به في السجن على غرار ما فعله مع آخرين اشتغل إلى جانبهم “عبد المجيد تبون”، خلال المرحلة التي كان يشغل فيها منصب الزير الأول، و أن قبوله لعب دور المنقذ في المرحلة الحالية جاء بضغط من “القايد صالح” الذي هدده بفتح ملفاته خلال مرحلة رئاسته للحكومة و ملف الغذاء على متن الطائرة الخاصة مع رجال الأعمال الأتراك، و الصفقات التي عقدت هناك بحضور “بلقاسم بلهوشات”، ابن الجنرال المتقاعد “بلهوشات”.
و يضيف المتتبعون للشأن الجزائري، أن “تبون” يعتبر إنسانا محظوظا جدا، خصوصا و أنه دون صراع أهدته الظروف مرحلة حكم مفتوحة بعد أن رحل “القايد صالح”، غير أن تعيينه للواء “سعيد شنقريحة”، أعاد علامات الاستفهام حول شخصية الرجل و أسلوب إدارته للأحداث و استغلاله للفرص، إذ لم يكشف بعد عن موقفه من مستوى تدخل الجيش في الحكم، بعدما سبق و طرحت الأسئلة خلال برامج حوارية دولية على قنوات أوربية، عن مصير جهاز DRS داخل المؤسسة العسكرية، و الذي كان سبب تفجير الأزمة بين نظام الرئيس المستقيل “بوتفليقة” و قائد الجيش، حينما فصل “السعيد بوتفليقة” هذا الجهاز و ألحقه برئاسة الجمهورية، ثم أخضع هواتف كبار الجيش للمراقبة بإيعاز من الجنرال “توفيق”.
فالتساؤل الأكبر اليوم، هو هل سيكرر “تبون” نفس السيناريو مع “شنقريحة”…؟ خصوصا و أن خلافا داخل إدارة الجيش سبق تسريبه إلى العلن كان قد حدث بين الراحل “القايد صالح” و خليفته “سعيد شنقريحة” حول اقتراح “تبون” لخلافة “آل بوتفليقة”، و هو ما قد يفجر خلافا بين الرجلين مستقبلا، إذا لم يتم التخلص من تراكمات الماضي، و قد خرجت هذه الأخبار للعلن بعدما تم استشارة “لخضر بورقعة” الذي عارض الفكرة و اعتبرها خيانة لروح المجاهدين و لمشروع الوطن، حيث أشار إلى ذلك في كتابه الذي صدر تحت عنوان :”شاهد على اغتيال ثورة”، و أيضا خلال التصريحات التي أدلى بها لقناة “الحوار”، بعدما انتقد تدخل الجيش في السلطة و قال أن الحكم منذ الاستقلال إلى يومنا هذا غير شرعي، و أن جنرالات الجيش يعبثون بمصير البلاد و الشعب و يرتكبون الأخطاء تلوى الأخرى… و قد أدى الأمر إلى سجن “بورقعة”.
حتى الآن الصورة النهائية للوضع غير واضحة، حول إذا ما كان “تبون” سيستغل رحيل “القايد صالح” لاستعادة كل القوة المفروض توفرها في رئيس البلاد ليعيد مفاتيح و أزرار التحكم في جميع المؤسسات بما فيها مؤسسة الجيش إلى قبضته، و يخضع أقوى جهاز داخل الجيش DRS لرقابته المباشرة، و يضعف من صلاحيات “شنقريحة”، حيث يرى الخبراء و المتتبعون أن العملية صعبة جدا، لأن جنرالات الجزائر يستمدون قوتهم من خارج البلاد، و أن الأمر بدا واضحا جدا بعدما أرسل “القايد صالح”، الرئيس المؤقت “بن صالح” للقاء الرئيس الروسي “بوتين”، و ليطمئنه أمام عدسات الكاميرات على أن الأمور داخل الجزائر متحكم بها و أن الوضع مستتب، و هو اللقاء الذي شكل إهانة للدولة و للشعب الجزائري و تسبب في موجة غضب و سخط داخل البلاد و أطلق النشطاء حملة تهكم على السلطة و نادوا بإسقاط قائد الجيش الذي أظهر الجزائر كمحمية روسية.
لكن النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، و الذين ينشطون جلسات حوارية و مقاهي فكرية افتراضية – تفاعلية، يؤكدون بسبب تجاربهم السابقة داخل المؤسسة العسكرية كضباط سابقين…، أن الجيش الجزائري هو علبة سوداء و لغز معقد، و جرى تحويل أركانه إلى قلعة حصينة لا يمكن لأي رئيس جزائري مدني أن يطلع على أسرارها، أو أن يفتح ملفات صفقاتها أو أن يناقش موضوع ميزانيتها الحربية، و لا حتى رتب موظفيها، و أن تعيين “شنقريحة” لم يكن باختيار “تبون” بل فرض عليه، و أن “تبون” لن يستجيب للحراك و أنه سيخضع لبرنامج مسطر بشكل مسبق من طرف الدولة العميقة في الجزائر، و التي يتحكم في مفاصلها رؤساء النواحي العسكرية داخل الجيش، و بعض رجال الأعمال بالتنسيق مع أجهزة دول أجنبية، و الدليل أن الصفقات الفاسدة للجيش لم يحاسب عليها أحد رغم تبذيرها للمليارات من الدولارات، و أن فضائح “تبون” مسحت بجرة قرار…، رغم أن “تبون” متورط في أعظم جريمة، “خيانة الوطن” حينما شوهد على ضفاف البوسفور بتركيا رفقة رجال أعمال، مع ترويج أخبار عن توقف التحقيقات قبل الإنتخابات، في أموال حملته لرئاسة البلاد، و التي يجهل مصدرها و أيضا التزكيات التي حصل عليها دون سند.
إلى حدود انقشاع غبار الفوضى التي تسبب بها رحيل “القايد صالح” و نظرا إلى الوضع القائم و اتجاه الأحداث إلى تزكية توقعات الحراك، بأن البلاد لن تتغير و أن الدولة الجزائرية لن تكون مدنية في ظل وجود “العصابة” التي أصبح جزئها الأكبر داخل الجيش (حسب الحراك) ، يمكن الجزم بأن المسار الديمقراطي الذي كان يتطلع إليه الشعب الجزائري قد فشل فشلا بينا و ذريعا، و إصلاحه سيتطلب العودة إلى نقطة الصفر، و الجلوس إلى طاولة الحوار مع الحراك و الاستجابة إلى مطالبهم، و إخضاع البلاد إلى حملة تنظيف شاملة تسمح بتجديد النخب، …لكن في ظل الوضع الراهن هذه الحلول تبقى مجرد أحلام يصعب تحقيقها حتى في فيلم وثائقي عن مستقبل الجزائر.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك