بقلم : الغضنفر
بعض الأمور قد تبدو للوهلة الأولى قمة في الشجاعة و الإقدام و التحدي و الصمود، و لكن عندما نحللها بموضوعية أكثر نكتشف بأنها كارثية بكل المقاييس، و قمة في التهور و الجنون و غياب الحكمة… تلك هي أحوال معتقلينا السياسيين على خلفية أحداث “اگديم ازيگ” الذين فقدوا بوصلة التفكير الرصين، و انساقوا – للأسف- وراء إملاءات رفيقهم “النعمة أسفاري”، بخصوص طريقة تدبير ملف إعادة محاكمتهم مدنيا، التي ستنطلق أولى جلساتها يوم 26 ديسمبر المقبل …
فبعيدا عن مناقشة الإستراتيجية النضالية و الإعلامية التي تبنتها القيادة الصحراوية منذ العاشر من هذا الشهر، و كذلك مناورات المحتل المغربي بخصوص هذه المحاكمة، هناك مبادرات أقدم عليها المعتقلون أنفسهم و خطوات أخرى سينفذونها أيام المحاكمة، بدون أي تنسيق مسبق لا مع هيئة دفاعهم و لا مع القيادة الصحراوية، و تصب كلها في خانة تسييس الملف و تدويله، و من بينها “الرسالة السياسية”، التي بثتها إذاعة الجمهورية، خلال اليومين الأخيرين، يطالبون من خلالها بتطبيق القانون الدولي الإنساني بحكم انتماء المعتقلين لمنطقة نزاع.
هذه الرسالة … أو بالأحرى المصيبة التي ستقضي على آخر أمل في الإفراج عن المجموعة، هي من بنات أفكار “النقمة أسفاري”، الذي أقنع باقي المعتقلين بضرورة تحريرها ، مدعيا بأنها مبادرة من ابن عمومته و القيادي الصحراوي “امحمد خداد”، تم الاتفاق عليها خلال الندوة الدولية الأخيرة للتنسيقية الأوروبية، مع بعض المحامين الأوروبيين المتضامنين مع القضية الوطنية… و هنا أفتح قوس ، لأقول للقيادي”امحمد خداد” أن يفكر أكثر في مصير القيادي السابق “الخليل أحمد”، الملقب “كارلوس”، الذي كان يشغل منصب وزير مستشار مكلف بحقوق الإنسان، و الذي أخطفته الأجهزة الاستخباراتية الجزائرية منذ بداية سنة 2009 دون أن يظهر له أثر، و هو ما يشكل وصمة عار في جبين القيادة الصحراوية التي تلتزم الصمت حيال قضيته.
الرسالة الموجهة إلى الرأي العام الدولي، رغم أنها مشبعة بحمولة سياسية تهم ملف الصحراء الغربية ككل، إلا أنها من الناحية القانونية ضعيفة جدا و لم تستند إلى أسس صلبة لجعلها تحرج المحتل المغربي، لأن الدفع باتفاقية جنيف كأساس للمعاملة مع معتقلي “اكديم ازيك” لا جدوى منه، لأنه لا توجد منظمة دولية تعترف بهؤلاء المعتقلين كأسرى حرب حتى يتم الاستعانة باتفاقية جنيف لحل مشكلهم، كما أنه حتى في حالة اعتبارهم كأسرى حرب، فذلك يعني بأن اتفاقية “هيوستن” بخصوص وقف النار أصبحت لاغية.
كما أن المادة 73 من ميثاق الأمم المتحدة و التي تم تضمينها في الرسالة، تتكلم فقط عن الحقوق السياسة والاقتصادية و الاجتماعية وغيرها التي يجب أن تتمتع الشعوب “التي لم تنل قسطاً كاملاً من الحكم الذاتي”، و بالتالي ليست هناك أية إشارة بخصوص الجانب القضائي، و هو ما يجعل مسألة المطالبة بنقل المحاكمة إلى مدينة العيون المحتلة في حكم المستحيل…
هناك من سيعتقد بأن محاكمة معتقلي “اكديم ازيك” غير قانونية لأنها جلساتها لم تعقد بمدينة العيون و ستجري في محكمة ليس لها الاختصاص الترابي بخصوص الأحداث التي وقعت، و هذه النقطة تحاول القيادة الصحراوية اللعب عليها كذلك من أجل إحراج العدو، غير أنه بالنسبة للقانون المغربي هناك جواب لا يدع مجال للتشكيك و هو أن محكمة النقض التي ألغت الأحكام العسكرية في حق هؤلاء المعتقلين و اعتبرتها باطلة، يدخل في اختصاصاتها ما يسمى بـ “سحب الدعوى من محكمة لموجب الأمن العمومي”.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]