بقلم : الغضنفر
في احد المشاهد الكوميدية لمسرحية “الواد سيد الشغال” والتي لعب فيها دور البطولة، الفنان المصري الكبير “عادل إمام”، يظهر على الخشبة “عاصم بيه”، و هو الدور الذي لعبه الراحل “عمر الحريري”، في خلاف مع خادمه (عادل إمام)، بسبب رعونة هذا الأخير الذي قام بتكسير بعض الأواني من الخزف الصيني، خلال حفلة أقيمت بالفيلا، …الخادم الذي بدا مستصغرا لفعلته، حاول أن يظهر عزة نفسه، بعدما لم يستسغ صراخ رب عمله، فطالب بخصم ثمن الأواني والأطباق من أجرته الشهرية وتركه يغادر في حال سبيله، فرد عليه صاحب الفيلا ساخرا بأن الطبق الواحد يبلغ ثمنه 30.000 جنيه، لأنها تحمل توقيع” نابوليون” شخصيا، تفاجأ الخادم ورد مستغربا بلهجته المصرية الجميلة : “نابليون بونابارت ! بتاع الحملة الفرنسية …؟ ساب الجيوش والمماليك والإنجليز وقعد يمضي على الأطباق !؟ .”
لاح بذهني هذا المشهد الكوميدي وخاصة الجملة الأخيرة منه، وأنا أتابع كيف تركت القيادة الصحراوية كل شيء و ركزت على حادثة إصابة “سليطينة خيا” في رأسها بمدينة بوجدور المحتلة، و كأنها وجت فيها طوق النجاة الذي كانت تنتظره لانتشالها من الغرق، وهذا التركيز تمثل في اطلاق حملة اعلامية رسمية و أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، و الدفع بالوجوه المستفيدة من الدعم الى القيام بزيارة مؤازرة لها، بل وصلت حد تنظيم مظاهرة تضامنية معها بالرابوني و فتح حساب لها لجمع تبرعات الجالية الصحراوية باسبانيا و أوروبا (…) لذلك أتساءل باستغراب ان كانت القيادة قد نسيت الحرب و تفرغت لحالة عاهرة؟، و عن سر هذه الضجة المفتعلة التي ينطبق عليها المثل: ” الجنازة كبيرة و الميت فار”، لأنه من الأولى و المفروض و المنطقي أن يتم توجيه كل هذا التضامن الصحراوي نحو أرواح الشباب الذين ماتوا شهداءا في ساحة الوغى، و نحو عشرات الجرحى و المعطوبين من المقاتلين الذين يتألمون دون أن تكلف القيادة نفسها عناء نقلهم إلى مستشفى تندوف لتلقي العلاج، مخافة أن يعلم أهاليهم، و اكتفت بتقديم علاجات أولية لهم بمستشفى ميداني بالناحية العسكرية، يفتقد لأدنى شروط التطبيب.…، فالأولى و الأجدر كذلك بحملة التضامن و المساعدة هم أولئك البدو الرحل الذين تضرروا ماديا من منعهم من رعي ماشيتهم و إبلهم بالمناطق المحررة، و كذلك التجار الذين فقدوا مصدر رزقهم، و وجدوا أنفسهم مجبرين بالتخصص في المواد الضرورية فقط، استجابة لتعليمات أمانة التنظيم السياسي، و إلى تقديم مزيد من التضحيات تحت شعار “التكيف مع ظروف الحرب ضرورة”، و الحال أن العديد من القياديين غير معنيين بهذه التضحيات لأن مشاريعهم التجارية و أبناءهم بالخارج.
فبضاعة المفلس هي تسويق الوهم؛ أملا في أن يجد من يصدقه ويتعامل معه ويمنحه القدرة على استعادة ما فقده؛ وينطبق هذا تماما على وضع القيادة الصحراوية اليوم ! و هي تحاول بكل الوسائل أن تركز على قضية الفاسقة “سليطينة خيا” و تجعل منها محورا لكل النقاشات المطروحة صحراويا ، للتغطية على الفشل السياسي و العسكري الذي أصبح واضحا للجميع، و لتجنب الأسئلة المحرجة من قبيل ماذا حققنا بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب؟ لماذا لم يتحرك المنتظم الدولي لانصافنا؟ هل سيعيش الشعب الصحراوي نكسة كركرات جديدة على مستوى المحبس؟ كلها أسئلة تحمل في طياتها أجابات غير مطمئنة لمستقبل القضية الوطنية في ظل الارتجال الذي تدير به القيادة الأمور.
فإذا كان الهدف من التركيز على قضية “سليطينة” هو الهاء الرأي العام الصحراوي؛ فإن هذا الهدف هو الآخر غير مؤكد النتائج لأن الرهان على هذه امرأة سيئة السمعة بمدينتها و محيطها هو كالرهان على فرس مكسورة القوائم لكسب السباق، ذلك أنه بنقرة زر واحدة على محرك “غوغل” ستظهر الكثير من الأمور و ستكتشف كل الأوساط الدولية التي نحاول إقناعها بقضية “سليطينة” بأن هذه الأخيرة وجه مستهلك إعلاميا و حقوقيا، و أن الصور التي توثق لإصاباتها بالعشرات، لدرجة أنه لو تم تجميع أجزاء تلك الصور، بطريقة لعبة « puzzle »، لظهرت “سليطينة” في صورة عارية، لكثرة الأماكن في جسمها التي كشفت عنها.
أعتقد بأن الرهان على “سليطينة” للعودة إلى الساحة كحقوقية أو محاولة استغلال قضيتها لخلق نوع من الحراك الميداني هو العبث بعينه، لأن الرموز التي احتكرت الساحة منذ سنوات غير مستعدة للتضحية برفاهيتها التي تعودت عليها من مال الانتفاضة، و لأن “سليطينة” نفسها تعتبر وصمة عار في جبين القضية الوطنية و مفتقدة للمصداقية الواجب توفرها فيها لإقناع الأوساط الدولي بقضيتها الحالية، إذ لا زال العالم، خصوصا الأوساط الاسبانية، يتذكرون كذبتها التي جرت على القضية الصحراوية الكثير من الإحراج، بعد أحداث “اكديم ازيك” سنة 2010، عندما أحضرت صورا لأطفال فلسطينيين سقطوا جرحى خلال العدوان الإسرائيلي على غزة و ادعت أمام كاميرات التلفزيون الاسباني، بأنهم لأطفال صحراويين.
أنا هنا لا أدافع عن المحتل المغربي و لا أتشفى في حالة “سليطينة”، بالرغم أنني غير واثق إن كانت قد أصيب بحجر من قوات الاحتلال ، أم أصابت نفسها بشكل متعمد لغرض في نفس يعقوب، فكل شيء وارد في غياب الدليل، لكن ما يهمني أكثر هو إثارة الانتباه إلى أن التركيز على قضية “سليطينة” إعلاميا و حقوقيا في الظرفية الحالية التي تعرف الحرب، هو فعلا خيانة للقضية الوطنية، لأن الحادثة ليست الأولى و لن تكون الأخيرة لممارسات المحتل بالمدن المحتلة، فهناك العشرات من الحالات المماثلة السابقة دون أن تحظى بهذا الاهتمام ….
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك