بقلم : الغضنفر
ابتكر البروفيسور “شين فريدريك” من معهد “ماساتشوستس” للتكنولوجيا، عام 2005، أقصر اختبار لتحديد مستوى الذكاء، حيث يحتوي على ثلاثة أسئلة فقط، و هي: مضرب وكرة التنس قيمتهما معا تساوي 1.10 دولار. المضرب أغلى من الكرة بمقدار دولار واحد. كم قيمة الكرة؟ خمس ماكينات في معمل للنسيج تنتج خمسة أشياء خلال خمس دقائق. كم دقيقة تحتاج 100 ماكينة لإنتاج 100 شيء؟ تنمو في بحيرة زنابق الماء و كل يوم يتضاعف عددها إلى أن تغطي سطح البحيرة خلال 48 يوما. كم يوما تحتاج الزنابق لتغطية نصف سطح البحيرة؟
كان عدد المشاركين في هذه التجربة- الاختبار 3000 شخص من مجالات ومستويات تعليم مختلفة، و كانت الإجابات الشائعة لهذه الأسئلة الثلاثة هي: 10 سنتات و100 دقيقة و24 يوما على التوالي، ولكنها إجابات خاطئة، لأن الإجابات الصحيحة في الواقع هي: 5 سنتات وخمس دقائق و47 يوما، وقد تمكن 17% من المشاركين فقط من إعطاء الإجابات الصحيحة، حيث أكد البروفيسور بأن الاختبار في الوهلة الأولى يبدو سهلا، ويسهل فهمه بعد التوضيح، ولكن للإجابة بشكل صحيح يجب التخلي عن الجواب الذي يتبادر إلى الذهن أولا.
كذلك بالنسبة لإعلان الولايات المتحدة الأمريكية “الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية”، فأول ما يتبادر إلى الذهن هو أنه عملية مقايضة سياسية على القضية الفلسطينية، و هذا الاعتقاد أو الإجابة البسيطة هو ما تحاول القيادة الصحراوية التركيز عليهما لتخفيف الضغط الذي يمكن أن يمارس عليها من طرف الشعب و للهروب إلى الأمام من نكساتها الدبلوماسية المتوالية و عجزها عن فهم و مجاراة المتغيرات الدولية؛ لأنه حتى إذا قبلنا بأن المحتل المغربي قايض موقفه من القضية الفلسطينية بموقف أمريكي حول الصحراء الغربية؛ فهو يبحث عن مصالحه و الخاسر الأكبر – في نهاية المطاف – هو الشعب الصحراوي الذي سيضيع حلمه في إقامة دولته على كامل ترابه الوطني، في حال ما لم يكن هناك تحرك وازن لقوى عظمى كروسيا و الصين لإلغاء الإعلان الأمريكي.
الحقيقة المرة أن القرار الأمريكي بخصوص الصحراء الغربية هو نتاج لتداخل مصالح مع المحتل المغربي يتقاطع فيها الأمني و العسكري و الاقتصادي و الديني، ذلك أن قضية تطبيع كل الدول العربية مع الكيان الإسرائيلي هي مسألة وقت فقط، فالرئيس الأمريكي “ترامب” ما كان بإمكانه الإقدام على القرار دون استشارة مع البنتاغون، أو بتوصية من هذه المؤسسة العسكرية التي تعتبر المغرب من الدول القليلة في العالم، التي تبدي رأيها في نوعية العلاقات معه، حيث تعتبره الحليف الاستراتيجي الأول خارج حلف “الناتو” و تخوض معه سنويا مناورات عسكرية (الأسد الافريقي) هي الأكبر في افريقيا، و لذلك فواشنطن رفعت مؤخرا من مبيعاتها لأسلحة نوعية للمغرب، لكي تحقق له توازن عسكري مع الحليفة الجزائر، التي توصلت هي الأخرى بأسلحة نوعية من روسيا، منها منظومة الدفاع الجوي S.400
القول بأن الإعلان الأمريكي لن يغير من مسار القضية الصحراوية على مستوى الأمم المتحدة، هو كلام فارغ لأننا نعرف بأن كل التوصيات التي تصدر عن مجلس الأمن بخصوص الصحراء الغربية تتم صياغتها من طرف أمريكا، و من يعتقد بأن الإدارة الأمريكية في عهد “بايدن” ستلغي هذا القرار فهو واهم، لأن الأمر ليس بالسهولة التي يحاول البعض الترويج لها؛ فالرئيس المقبل سيحتاج إلى تقرير ما إذا كان سيحتفظ بالقرار أو يعاكسه، و فرضية المعاكسة تبقى صعبة بالنظر إلى اقترانه بتطبيع المغرب مع إسرائيل، و سيكون عليه اللجوء إلى مجلس الشيوخ (الكونجرس) للتصويت ضده بثلثي الأعضاء (و هذا النصاب صعب جدا) أو الطعن في دستوريته أمام المحكمة العليا، غير هاتين المسطرتين فهو قرار ملزم لجميع المؤسسات الأمريكية.
غالب الظن ، أن “بايدن” لن يقدم على إلغاء قرار “ترامب” حول الصحراء الغربية، بالرغم من أن الإدارة الأمريكية المقبلة تضم وجوها مناصرة للقضية الصحراوية مثل: “سوزان رايس”(مستشارة الأمن القومي السابقة) و”جون كيري”(وزير الخارجية الأسبق)، لان تغير الرؤساء في البيت الأبيض لا يغير السياسة الخارجية لأمريكا، التي تتحكم فيها ثلاثة لوبيات قوية و متنفذة، تسيطر على مفاصل القرار الأمريكي وتفرض كلمتها وتكرس نفوذها الكبير عبر الكونجرس الأمريكي؛ حيث يعتبر اللوبي العسكري والصناعي الأقوى على الإطلاق، و هنا لا ننسى المال الخليجي الجاهز المساند للاحتلال المغربي، في الوقت الذي تعيش فيه القيادة الصحراوية والجزائر حالة من التراجع لا تمكّنهما من منع أي صفقات أو تأخيرها، وتجعل احتجاجاتهما على القرار الأمريكي غير مسموعة للعالم.
أما اللوبي الثاني فهو يتمثل في بورصة “وول ستريت”، أو قلعة المال والأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، و يسعى هذا اللوبي إلى إسقاط كل الحواجز والحدود التجارية عبر السماح لرؤوس الأموال والشركات الأمريكية بالتمدد وتوسيع نطاق أنشطتها في العالم، و هنا جاءت فكرة القنصلية الأمريكية بالداخلة المحتلة لرعاية المصالح الاقتصادية لهذا اللوبي بالصحراء الغربية و الغرب الإفريقي، حيث من المنتظر أن تستثمر الولايات المتحدة في الصحراء لوحدها ثلاثة ملايير دولار، بعدما استطاع المحتل المغربي أن يثبت تواجده الاقتصادي و أصبح بمثابة الشريك الذي لا يمكن الاستغناء عنه في الصفقات الخاصة بالقارة السمراء، ناهيك عن المال الخليجي الذي سيدعم شراكاته الاقتصادية أكثر فأكثر.
أما اللوبي الثالث، فهو لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية “إيباك”، وهي أوقى لوبي يهودي موال لإسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية، و هي من أكبر اللوبيات المؤثرة في السياسات الخارجية الأمريكية. و بالنظر الى قرار التطبيع فسيصبح هذا اللوبي يمتاز داعما كذلك للمحتل المغربي، نظرا لتواجد أكثر من مليون يهودي مغربي بإسرائيل، حيث يعتبر يأتي اليهود المغاربة في المرتبة الثانية بعد يهود روسيا بإسرائيل، و بالتالي من المستبعد أن تدخل روسيا في خلاف مع امريكا بخصوص قرارها من الصحراء الغربية، و رأينا كيف أن الرد الروسي جاء فقط من نائب وزير الخارجية، بمعنى أن روسيا تعتبرالقضية الصحراوية ثانوية في اهتماماتها .
و ختاماً أقول في قضية القرار الأمريكي، بأن الخاسر الوحيد من هذه التفاهمات الأمريكية – الإسرائيلية- المغربية، هم اللاجئون الصحراويون على نحو خاص، سواء بقي القرار الأمريكي مستقبلا أو تم إلغاءه بمعجزة، ففي كل الظروف ومطلق الأحوال، الاحتلال المغربي واقع معاش بمدن الصحراء الغربية وهو بات يعمل اليوم، بكامل طاقته، وعلى مدار الساعة، في ظل تراجع الحلفاء التقليديين و عزلة الجزائر الواضحة دوليا، و غرقها في مشاكلها الداخلية، و بات القاسم المشترك الذي يجمعها مع قيادتنا هو العجز أمام الهجوم الدبلوماسي الكاسح للاحتلال المغربي.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك