بـقـلـم : أغيلاس
نحن لم نفهم بعد تلك الدروس التي تركت نذوبا في قلوبنا…، و لا يزال أمامنا الكثير من الوجع لنتعلم، و علينا أن نتحمل، لأن الطريق إلى الوعي و الفهم طويلة و ستشقينا و تحتاج الكثير من الجلد…، و الأصعب من الوجع، أن نكون نحن من يصنع أسباب المحن ثم ننقلب على أعقابنا نلوك الدمع و نلعن الشامتين، و إذا كان المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، فنحن فقدنا كل الإيمان، و يعجبنا ما يحصل لنا كلما أدخلنا أيدينا في الجحر، و أصبحنا مثل من استعصت عليه المشاعر و استعصم قلبه عن الفرح و نذر فؤاده للحزن…، فلا هو استطاع أن يفرح يوم عيد، و لا هو ترك الأهل يفرحون بهجة، فيرى في بسمتهم شماتة على حزنه، و لم يرى في حزنه ظلما لفرحهم.
تُوّج “محاربو الصحراء” بأغلى تيجان السمراء الحزينة، و جابت فرحتهم كل بلاد في شمال إفريقيا و هتف المهاجرون العرب في غربتهم “one- two- three ….viva l’algerie”، كان فوزهم متنفسا عظيما لقلوب الشعوب المغاربية، بعدما تقاسمت شغف تلك الرياضة وهي تفرح مع الشعب الجزائري الشقيق، و كان الحدث الكبير على الحدود بين المغرب و الجزائر، لقد كانت صورة الفرحة تكفي لتشرح عيوب السياسة و أعطابها، إذ لم يمنع السياج و لا الأشواك من تعطيل فرحة الجيران، لكن الفرحة المتطرفة التي أزعجت ليلنا كانت فرحة الشعب الصحراوي بمدينة العيون المحتلة.
و كان العجب في غايته حينما نجح إنجاز “الخُضْر” في توحيد مشاعر الجزائريين و المغاربة، فيما تنافرت النفوس في الأراضي المحتلة، و لم يحقق الحدث تلك النشوة المنشودة، بل انزوى الشعب الصحراوي في مكان المهاجم و ظلت قوات القمع تترصد أخطاءه لتعاقبه، و ما حدث أن شبابنا بالعيون المحتلة، أخرجوا مشاعر و انفعالات عكرت نشوة الحدث و لم تكن لتصلح في يوم فرح، حيث سجلت الهواتف مشاهد لجحافل من الشباب الصحراوي و هي تهاجم سيارات قوات القمع في الشوارع، و كأن شبابنا بتلك المشاهد أراد أن ينقل للعالم كيف أصبح متطرف جدا في التعبير عن المشاعر و لم يعد يستطيع كبح جماح الغضب النائم بين ضلوعه، و أنه اصبح يجهل تماما كيف يفرق بين التعبير عن الفرح و الغضب.
و عوض أن تكون ليلة نشوة و تهليل و أفراح، فقد جعلها الشباب الصحراوي يوم مأساويا بكل الأرقام، أغرقوا المدينة في الهلع و أزالوا عنها وشاح الوقار و الأمان، و كالعادة نقلت أغلب وكالات الأنباء صور جماهيرنا و هي تبدي عدوانية تجاه قوات أمن الاحتلال، فيما القيادة الصحراوية ظلت غير مستوعبة للأحداث و لم تتصرف في أي تجاه، فلاهي استطاعت تهدئة الجموع الصحراوية الغاضبة حتى لا تتهم بالتشويش على فرحة الإخوة الجزائريين الذين انصهروا مع المغاربة في فرحة عارمة، و لا هي استطاعت أن تضغط على المنتظم الدولي كي ينتبه لما يجري بالأراضي المحتلة.
و ما كنا نخشاه كصحافة، حدث بالفعل، فقد تناقلت وسائل الإعلام تلك المقاطع التي يظهر فيها الشباب الصحراوي، و هو يخرب مرافق مدينة العيون المحتلة و يعتدي على رموزها، حيث أجمعت بعض الصحف العالمية (حسب وصفهم) “على أن أحداث شغب و تخريب قام بها عناصر محسوبين عن البوليساريو في مدينة العيون بالصحراء الغربية، و أن تلك الأحداث كانت ردة فعل غاضب نتيجة تفضيل الشعب الجزائري الاحتفال مع الجيران المغاربة و تهميشهم للشعب الصحراوي”… هكذا قرأت الصحافة العالمية تلك الأحداث و هكذا روجت لها.
و ما يزيد من توطين الخوف في قلوبنا أن المدونين الجزائريين و المغاربة تناقلوا عبارات التهاني، فيما هاجم الجزائريون بعض المدونين الصحراويين بعد تعمد بعضهم السخرية من هشتاغ #خاوة_خاوة، و هو الأمر الذي أدى إلى تبادل عبارات نابية على مواقع التواصل و بالخصوص على منصتي الفايسبوك و تويتر، فيما انحاز الجزائريون إلى الطرف المغربي في سابقة، رغم كل أواصر الترابط الطويلة بين الشعب الصحراوي و الجزائري، و هذا ما يمكن نسبته كنتيجة، إلى تراجع الدور التأطيري للقيادة التي كان عليها أن تحتوي غضب الشباب الصحراوي بالأراضي المحتلة، و أن تدعوهم إلى عدم التورط في أي ردة فعل قد تؤثر مستقبلا على العلاقات بين الشعبين الصحراوي و الجزائري، و عدم بناء عداوة بين الشعب الصحراوي و الشعب المغربي الذي سيضل شعب صديق و جار.
و نضيف في هذا السياق بأن النظام الجزائري كان سباقا للانتباه إلى الأمر منذ بداية البطولة في دولة مصر، و طلب خلال احتفالات الشعب الجزائري عند كل انتصار، عدم رفع أعلام الجمهورية الصحراوية، كما رفضوا ترديد هتافات الشعب الصحراوي، و وضعوا مؤطرين للجماهير للتحكم في الاحتفالات الشعبية، بسبب تواجد أنصار المنتخب المغربي ضمن الجماهير المحتفلة بالنصر الجزائري، و هو الأمر الذي كنا نخشى أن يطور مشاعر عداء و كره عند الشعب الصحراوي، و بالفعل، تجاهلت القيادة الصحراوي تأطير الجماهير بالأراضي المحتلة و بالمخيمات، مما تسبب تعقيد الفهم، نتج عنه تطور في الأحداث و انفلات أمني أضاف للقضية الصحراوي المزيد من الأزمات و المزيد من التطورات السلبية.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك