تلقى موقع “الصحراءويكيليكس” على بريده الالكتروني رسالة من مواطن صحراوي يعيش بمخيمات العزة و الكرامة هي أقرب إلى نص أدبي يطلب نشرها، مرتبطة بما تعرفه مخيمات اللاجئين حاليا من أحداث، حيث يشتكي صاحب الرسالة – حسب زعمه- من ضيق سبل العيش الكريم داخل المخيمات نظرا لما اعتبره ب “فساد” قيادة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و ووادي الذهب، متوعدا بأنه إذا لم تتدخل الأمم المتحدة والمنتظم الدولي من أجل الإسراع بفرض حل يضمن كرامة الإنسان الصحراوي يعيش بها ما تبقى من حياته، فإنه سيتحول إلى “إرهابي” من أجل القصاص ممن تسبب في إهانته و إذلاله.
وإذ ننشر،فيما يلي، هذه الرسالة، دون أن نتبنى مضمونها، نروم من وراء ذلك إلى أن ندق ناقوس الخطر حتى تنتبه القيادة إلى بعض الظواهر السلبية بالمخيمات لمعالجتها قبل فوات الأوان :
“عندما أكملت دراستي بكوبا وعدت إلى مخيمات الصحراويين بتندوف جنوب الجزائر، قررت أن أخدم قضية شعبي من داخل المخيمات،بما تعلمته، رغم الإغراءات بالعمل باسبانيا الذي كان سيمكنني من كسب مادي مهم… و بعد بضعة أيام قضيتها مع أهلي في ولاية العيون، تم استدعائي للخدمة العسكرية حيث قضيت أزيد من 8 أشهر كفترة تدريبية قبل أن أعين مقاتلا بسيطا بالنواحي العسكرية؛ إذ على الرغم من نبل المهمة، رفضت الأمر لسببين: أولهما أن تكويني الدراسي هو في الاقتصاد، و بالتالي سأكون أكثر عطاءا في هذا المجال و ما يرتبط به، و ثانيا لأنني سأكون مجرد جندي صوري و بلا معنى في غياب الحرب المتوقفة منذ وقف إطلاق النار سنة 1991.
عصيت الأوامر العسكرية مما عرضني للاعتقال قبل أن يتدخل أحد أبناء عمومتي من النافذين ليطلق سراحي و بعد شهور قليلة عينت في وزارة التعليم، على الرغم من إلحاحي من أجل تعييني في قطاع مرتبط في تكويني في الاقتصاد و خلال هاتين التجربتين (الجيش و التعليم) هالني ما رأيت من استهتار في تسيير شؤون الدولة و في تبذير أموال المساعدات المقدمة من طرف المنظمات الداعمة لشعبنا في اسبانيا و في العالم.
في سنة 2006، آمنت بالفكرة الجديدة التي تقضي بتعمير الأراضي المحررة من وطننا، التي أطلقتها القيادة، وذلك بعدما ضقت ذرعا من تجاوزات و إهانات المسؤولين في وزارة التعليم، فقد كان همهم الوحيد الاستفادة الشخصية، حيث يعملون على ضمان مستقبل جيد لأبنائهم و أبناء باقي القياديين وذلك بتمكينهم من المنح الدراسية بالخارج تحت ذريعة التعريف بمعاناة التلاميذ و الأطر الصحراوية من أجل التحصيل الدراسي و البحث عن سبل تمويل قطاع التعليم.
هذا التمويل الذي ينتهي جله في جيوبهم، متناسيين أن النضال الحقيقي يكمن في الالتزام بالقضية ونكران الذات، و العمل الجاد من أجل تكوين أجيال قادرة على مقارعة العدو بالحجة و الدليل العلميين عبر و سائل الإعلام و تقنيات التواصل الحديثة عوض تخريج أفواج من الفاشلين المحبطين… و بمساعدة من الأهل تحصلت على بعض الرؤوس من الإبل و الضأن، فعدت بذلك إلى المهنة التي يتقنها أجدادي، حيث بدأت الترحال بين وديان و شعاب مناطقنا المحررة.
عشت أوقاتا ممتعة ووجدت الرفقة في بعض المثقفين ممن اختاروا نفس المسار و الذين فضلوا قساوة البادية على أن يتلوثوا بقذارة ما يقع في مؤسسات الدولة، ولم يكن يكدر صفو عيشتي غير التفكير في استعجال اليوم الذي أعود فيه إلى ولاية العيون، حيث ولدت بعيدا عن ارضي الحقيقية بالساقية الحمراء. وكنت كلما اشتد بي الشوق إلى أهلي، أشد الرحال إلى ولاية العيون، اطمئن على حال الوالدة و أقدم لها بعض الدعم المادي لكون المساعدات الغذائية لا تكفيها، خصوصا أنها مسؤولة عن أختين عازبتين، بقيا في عهدتها بعد استشهاد الوالد في إحدى معارك التحرير قبل وقف إطلاق النار.
خلال كل رحلة ، كنت أملئ خزان الوقود لسيارتي و أتزود ببرميل من المازوت من ولاية العيون، يكفيني لتحركاتي في مناطق الرعي إلى أن أعود مرة أخرى لزيارة الوالدة، فأتزود مرة أخرى بهذه المادة الحيوية و خلال عودتي من زيارتي الأخيرة لوالدتي، بمناسبة عيد الأضحى المبارك، تم منعي من حمل برميل المازوت المعتاد على اعتبار أن هذا الأمر ممنوع لأنه يتم تهريب المازوت خارج الحدود.
عدت إلى بيت الوالدة معتبرا أن الإجراء مرحلي و أن الأمور ستعود إلى حالها، لكن فوجئت مرة أخرى بخبر أذاعته التلفزة الوطنية ليلة 28 أكتوبر 2013، يتعلق بإصدار مرسوم رئاسي يفيد بمنع ممارسة أي نشاط رعوي، إلى جانب أنشطة أخرى بالأراضي الصحراوية المحررة بدون ترخيص مسبق من وزارة المياه و البيئة، بدعوى أن هذه الأراضي هي محميات طبيعية ومنتزهات.
غاضني هذا القرار أشد الغيض، فهل يعقل أن أحرم من الأرض التي بللتها دماء والدي من أجل تحريرها؟ وهل يعقل أن تعتبر هذه الأراضي محميات طبيعية ومنتزهات في الوقت الذي يعيش فيه الصحراويون في اللجوء في مخيمات سموها ولايات لا تستجيب لأدنى شروط العيش الكريم و التي أحاطوها بجحافل من قوات الأمن لمراقبة السكان و منعوها بإقامة حيطان شبيهة بجدار العار التي تقيمه قوات الاحتلال المغربي؟ أم أن الأمر يتعلق بتخمة مالية لدى القيادة جعلتها تفكر في جعل الأراضي المحررة منتزهات للقنص كما يفعل أمراء الخليج؟.
قررت عندها أن أتحدى هذا القرار و أن ألحق بماشيتي قبل أن يستولي عليها “جيش التحرير الوطني” أو تنفق في الخلاء و يوم 30 أكتوبر 2013، ركبت سيارتي المحملة ببرميل المازوت قاصدا وجهتي، بعد استيفاء الإجراءات، أمام اندهاشي (ظنا منهم أنهم لن يتركوني أمر)، لكن عند وصولي إلى النقطة الحدودية المعروفة بـ 75، وجدت عدة شاحنات و سيارات، بعضها محملة ببراميل من المحروقات و أخرى بالدقيق و العجائن، محاصرة من طرف عناصر “الكتيبة الجديدة” (قوات خاصة) التي أمرت الجميع بالتخلي عن الحمولة إن هم أرادوا العبور في اتجاه موريتانيا.
كم أحسست بالغبن في تلك اللحظة، و تساءلت ماذا يجب علينا أن نفعل لكي نعيش بكرامة؟ إنهم لا يكفلون لنا عيشا آدميا بالمخيمات ولا يتم بأن يتم إحصاؤنا كلاجئين حتى يتسنى للمفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة التكفل بنا مباشرة، ثم لا يتركوننا نبحث عن سبل العيش و ما زاد من غضبي استفزازات عناصر الكتيبة الخاصة التي يبدو أن عناصرها قد جردهم وزير الدفاع من كل إحساس إنساني، فهم عبوسي الوجوه ولا ينطقون إلا بالكلام المنحط و السفيه و كأنهم عصابة لصوص أو قطاع طرق.
تشنج الوضع لأن أغلب المحاصرين كانوا يحسون بنفس إحساس الذل و المهانة الذي أحسست به، مما جعل أحد السائقين يركب شاحنته محاولا المرور عنوة مما دفع أفراد عصابة الجيش لإطلاق الرصاص على عربته و عند ذلك لم أعد أعرف ماذا يقع، لأن حالة الهستيريا الشديدة انتابتني و لم اعد في كامل قواي العقلية لأميز ما يحدث…. و عند استعادني لوعيي، وجدت نفسي بين شخصين الذين أخبروني بأن الكتيبة قد استولت على سياراتنا.
قضينا ليلتنا هناك، و في الصباح قدم عدد من المواطنين لمساندتنا، عندها حاولنا استرجاع سياراتنا، فووجهنا مرة أخرى بإطلاق الرصاص الحي، مما جعلنا ندخل في مواجهة مع أفراد الكتيبة، تمكنا خلالها من السيطرة على سيارتين لهذه القوات قبل أن يتدخل قياديو الدرك الوطني، الذين وعدونا بحل المشكل، الأمر الذي جعلنا نتوجه إلى آلياتنا لاسترجاعها و مغادرة المكان.
لكننا فوجئنا بأن أغلب هذه السيارات قد تم إلحاق أضرار كبيرة بها و أن سلعنا قد تم العبث بها ، مما جعلنا نحتج على هذه الخسائر، وفي هذا الوقت قدمت إلى عين المكان تعزيزات كبيرة من الدرك حيت انهالوا علينا بالضرب المبرح قبل أن يقتادوا أغلب المحتجين إلى السجن، ليفرج عنهم بعد ذلك بدون محاكمة، أما أنا فقد تمكنت من الفرار.
الآن و قد ضاع كل شيء و لم يعد لدي أمل، ماذا أفعل؟ هل أرضى بقدري و أستكين و أنا الحر ابن الشهيد؟ أم أتحدى عصابات الفساد المتحكمة في رقابنا فأنعت بالخائن العميل؟…فكرت مليا فلم أجد إلا حلين: أولهما أن انتحر و انهي عذابي ومهانتي وثانيهما أن التحق بجماعات الإرهاب في المنطقة حتى أتقوى و استطيع رد المهانة مهانتين لـ “السيسي” الصحراوي (ولد البوهالي) وزبانيته ممن اغتنوا على حسابات عذابات الشعب الصحراوي.
لكن قبل ذلك أناشد هيئة الأمم المتحدة و على رأسها الأمين العام بان كي مون، و كل الهيئات الدولية للإسراع لإيجاد حل لقضية الصحراء الغربية يضمن العيش الكريم للإنسان الصحراوي، و فرض هذا الحل على قيادة البوليساريو لأنها لا ترغب في التسوية مخافة أن يماط عليها الغطاء و تكشف عورتها ويعرف العالم فضاعة جرائمها وحتى تستمر في الاستفادة المادية من هذا الوضع المختل….و في حالة عجز المنتظم الدولي على إيجاد هذا الحل، أطلب على الأقل أن تمنحنا منظمة غوت اللاجئين الأممية بطاقة لاجئ حتى لا تستمر هذه الانتهاكات ضدنا من طرف القيادة الفاسدة للبوليساريو و زبانيتها”.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]