بـقـلـم : أغيلاس
عاد الجدال من جديد ليطغى على الحوار الداخلي بين القيادة و الشعب الصحراويين، و عادت مع هذا الجدال تلك الأسئلة الوجودية المحرمة و المخيفة لتطرح بقوة في النقاش…، إذا ما كانت الدولة الصحراوية فعلا لها وجودها و كيانها و تمثيليتها و خارطتها و علمها و تشكل دولة داخل إفريقيا التي تعاني انفصاما سياسيا مزمنا ؟ أم أن هذا التواجد محض حضور شكلي و أن المحتل المغربي حول جمهوريتنا إلى مجرد اسم يتردد على الألسن و يستخدم للضغط على هذا الطرف أو ابتزاز الآخر…؟
فقد عقدت الصين قمة استثنائية و مستعجلة مع دول القارة السمراء لأجل تدارس آخر مستجدات وباء كورونا و لتشارك الدول الإفريقية أحزانهم الوبائية و تتضامن معهم، و قد ترأس القمة الرئيس الصيني شخصيا، لكن المثير في الاجتماع الرقمي الافتراضي، كون الصين رفضت كل محاولات القيادة الصحراوية و عطلت مشاركتها في القمة و عارضت الجهود التي بدلتها جنوب إفريقيا باعتبارها الرئيس الدوري للإتحاد المغبون، و الحليفة الجزائر التي سعت جاهدة لتأمين حضور و لو رمزي للدولة الصحراوية قبل أن تخيب كل الآمال و تتشبث الصين بتغييب جمهوريتنا حفاظا على سلامة علاقاتها مع الرباط، مع العلم أن بكين لها مصالح بملايير الدولارات مع الجزائر و كان الأحق أن ترعى الصين أفضلية المعاملات التجارية المكلفة للاقتصاد الجزائري لصالح الاقتصاد الصيني و أن تلبي رغبتها في مشاركة الدولة الصحراوية.
و قد علق النشطاء الصحراويون بكل غضب على قبول الأفارقة باختيارات التنين الصيني تغييب الدولة الصحراوية، و تساءلوا كيف استطاع الاتحاد الافريقي التنازل عن حقوق دولة من مكوناته في مشاركة باقي الدول تلك القمة، و أن تعبر عن رأيها من الشراكة الأفرو-صينية، و أن تلقي إلى الحاضرين بما تمتلكه من وجهة نظر حول الوباء و إمكانيات محاربته…، حتى و إن كنا لا نمتلك مركز دراسات وبائية و لا القيادة أعلنت عن وصول الوباء الى المخيمات و حتى الآن هي من غير إصابات و الحمد لله، و أن المشاركة قد تكون رمزية و بدون تأثيرات هامشية على النقاش العام.
و قد نسب النشطاء في تدويناتهم الغاضبة رفض بكين إلى المشاكل السياسية التي يواجهها العملاق الآسيوي في صراعه مع جزيرة تايوان و التي قد يتم اسقاطها على صراعنا مع الاحتلال المغربي، غير أن الواقع يجعل المقارنة لا تصل إلى الحد الأدنى من التماثل أو التطابق، و أن الصين أكبر من أن تخاف ردة فعل الرباط بدعم تايوان لمجرد أنها استدعت الدولة الصحراوية للمشاركة، بل يتعدى الأمر إلى نظام القطبية العالمية و منطقة الاقتصاد الجديد لما بعد جائحة كورونا، حيث تراهن الصين على تغيرات عميقة في القطبية الاقتصادية، إذ أنها فضلت رفض طلب جنوب إفريقيا التي كانت إلى الأمس القريب شريكا إستراتيجيا للصين في عمق القارة، و أيضا رفضت عروض الجزائر التي قدمت للشركات الصينية صفقات إعمار و تهيئة تتجاوز قيمتها الـ70 مليار دولار خلال العشرين سنة الأخيرة.
و حسب ما تعلنه الصين بشكل دوري في إعلامها الموجه إلى إفريقيا، عبر قناتها CGTN، بأن العالم يعرف تحولا في مراكز القوى الاقتصادي، و أن التحول يشمل حتى إفريقيا التي ستفقد فيها الدول التقليدية قدراتها الريادية، و يتعلق الأمر بمصر و نيجيريا و الجزائر و جنوب إفريقيا، لصالح القوى الصاعدة و هي إثيوبيا و رواندا و الكوت ديفوار ممن يمكنهم منافسة القطب الاقتصادي التقليدي الذي ازداد سيطرة و نجح في استغلال الجائحة لتطوير إنتاجيته و فعاليته و يتعلق الأمر باقتصاد دولة الاحتلال الذي تحول إلى ركن في كل الشراكات التي تطل بها دول العالم على القارة.
العدو المغربي تمكن من التحول إلى القطب الثابت الذي يفرض على كل الشركاء الراغبين في المرور إلى عمق القارة، و الصين مثل جميع الدول الكبرى لها مركز دراسات استشرافية و تراهن على القارة الموجوعة كسوق استهلاكية مستقبلية من جهة و كمنجم للمواد الأولية الناذرة و ذات التكلفة المنخفضة، و مصدر لليد العاملة الرخيصة و الخبيرة…، و نفس المراكز تخضع الدول الإفريقية للتحليل و القراءة، و بناءا على المعطيات التي جمعتها الصين حول الدول الإفريقية فإنها ترى في المحتل المغربي قطبا قاريا مهما لها، خصوصا على الصعيد التجاري، لهذا الصين ترفض أن يعكر صفو علاقاتها مع الرباط أي شيء حتى و إن كلفها الأمر إغضاب كل دول القارة.
و قد تضمن خطاب الرئيس الصيني رسائل مشفرة إلى دول الإتحاد، لأن الصين تعرف جيدا أن مساعدتها للدول الإفريقية قد تقرأ من الجانب الخاطئ، و قد ترى فيها بعض الدول داخل القارة محاولة للسيطرة على الإتحاد الإفريقي، و إغراقه بالمبادرات و تحويل دوله إلى محميات صينية، لهذا قال الرئيس الصيني أن مبادرات بكين تأتي في إطار التعاون و ممارسة التعددية في اعتراف منها إلى أنها ليست الطرف الوحيد الفاعل داخل القارة و أن هناك قوى أخرى تستثمر الجهد لتجنيب القارة الكارثة الوبائية، و لأن جميع دول القارة خيبوا الآمال في محاربة الجائحة، فإن الصين ظهرت في ذلك الخطاب كأنها تلتمس من الرباط استثمار جهودها بالشراكة مع الصين لانقاد القارة من الموجة الثانية، في اعتراف ضمني من الصين بأن دولة الاحتلال لها مقاومات القطب القاري.
كل هذا يعد تفسيرا جعل الصين تضغط بوزنها الثقيل على دول الإتحاد الإفريقي و تغييب الدولة الصحراوية عن الاجتماع و تنال ثقة الرباط أكثر حتى تبني شراكات مستقبلية مع المحتل أكثر نفعية و أكثر عمقا داخل القارة، فيما القيادة الصحراوية تعتبر الخاسر الأكبر من الجائحة.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك