بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
خلال المؤتمر الصحفي للإعلان عن بيع شركة NOKIA الفنلندية، رمز الصناعة و التكنولوجيا لهذا البلد الإسكندنافي، و قبل التوقيع على نقل الملكية للعملاق الأمريكي ميكروسوفت، قال رئيس نوكيا التنفيذي “ستيف بلمر” كلمته الشهيرة: “نحن لم نفعل أي شيء خاطئ، لكن بطريقة ما خسرنا… !!“، ثم انهار بالبكاء…، الموقف لم يشفع له و لم يؤثر في رجل الأعمال الأشهر عبر العالم “بيل غيتس” الذي وقع عقد شراء شركته للعملاق الفنلندي المنهار، ابتلعته ميكروسوفت بلا رحمة و كأنه لم يغنى بالأمس.
تكاد تلك القواعد التي تعبث بأسرار التفوق الاقتصادي لتكون نفسها المؤثرة في عوالم السياسة و الدبلوماسية، ذلك أن الذين لا يجددون و لا يبتكرون، و الذين لا ينتبهون لسرعة التحول و التغير في العالم، و الذين لا يقتنصون الفرص السانحة…، يخرجون من سباق التفوق، و تسقط أسمائهم من قائمة المجد، كل هذا الدرس لنُعلِم قيادتنا الصحراوية بأن الإهانة ليست في إعادة انتشار فاشل بعد أزمة الكركرات الأولى و ليست بسبب الارتجال و الخوف من انفراط العقد بعد خيانة النخبة للشعب و تمرد الشعب على القادة…، و لم تكن يوما في أننا غثاء السيل…، الإهانة أن نخبنا الحاكمة تشبه إنجازاتها، بدءا من خيامنا الرثة و أسمالنا المشقوقة الجيوب إلى شوارعنا الترابية المظلمة بين المخيمات، المصيبة أن نخبنا ليست نخبا و لكن… شُبِّهَ لنا.
فبعض الأحداث تشفع لقادتنا في مقالاتي، و تفرض عليَّ الكياسة و أنا أحمّلها أثقالا فوق أوزارها، لأن الناظر إلى الأحداث بعين العقل يرى من زاويتي أن قادتنا لا يلامون بعد انهيار مدرسة الدبلوماسية الجزائرية بشكل عظيم، و سقطتها الكاسرة للأضلع أمام تحركات دبلوماسية المحتل المغربي، إذ تسبب نجاح مؤتمر الفرقاء الليبيين الثاني في ببوزنيقة ضواحي الرباط، في تكبيد الدبلوماسية الجزائرية خسائر لا توصف على مستوى المصداقية و السمعة، و تحولت من الدولة القطر كما كانت تشتهي الصحف الجزائرية تسميتها، إلى دولة متابعة للأحداث و كأنها تلميذ بلا مواهب في مدرسة للسحرة.
و قد كانت قيادتنا قبل نجاح مؤتمر بوزنيقة تنال الجلد الإعلامي من كل المنابر، بما فيها الدولية التي تحسب على البلدان الحليفة و الصديقة، و كان قادتنا لا يجرؤون على الظهور في الأسواق و الأماكن العمومية إلا لماما بعد فضيحة الكركرات -2-، التي تحول موكب الفتح الذي قاده “حمة البونية” و “مريم السالك حمادة” الى احتفال بالذكرى و بتوأمة في النواحي العسكرية…، لكن مع هزيمة الدبلوماسية الجزائرية في موقعة باماكو ثم بوزنيقة، و كأن قيادتنا أرسل لها المولى عز و جل من يتحمل عنها سياط الجلد السياسي، كما يقول المثل المصري “جاه اللي يشيل الليلة كلها”…، و أصبح “صبري بوقادوم” هو السياسي و الدبلوماسي و الوزير و المستشار الأكثر مأساة بين دبلوماسيي العالم، لأنه وعد قصر المرادية و حلف اليمين الغليظ أمام قائد الجيش الجزائري و جلس بهيبة أمام وسائل الإعلام الجزائرية ليَعِد الشعب الجزائري بأن ملف ليبيا و مالي هي ملفات جزائرية خالصة، و أن حلول ليبيا جاهزة على مكتب الرئاسة، فورط الرئيس الجزائري في قول أن الجزائر لن تقبل بأن يكون في ليبيا حل لم تشرك فيه الجزائر…، و بعد تلك التصريحات المتحدية لـ “عبد المجيد تبون”، هاهم الليبيون يتفقون على حل وسط بلا رابح و لا خاسر، بعيدا عن قصر المرادية.
أولى آثار الغضب الجزائري الرئاسي و العسكري على “بوقادوم” المسكين، هو استبعاده من لقاء الجنرال الأمريكي “مارك إسبر”، قائد جيوش الأفريكوم خلال زيارته للجزائر، و تعويضه ببروتوكول الاستقبال الرئاسي، و عدم الإفصاح عن سبب تغييب “بوقادوم”، في انتظار ما سيقرره الاجتماع القادم بين “شنقريحة” و “تبون” في مصيره، إما بمنح الرجل فرصة ثانية لإصلاح إطارات الدبلوماسية الجزائرية التي فجرها المحتل المغربي، أم يجري تعويضه باسم جديد و إعادته إلى منصبه السابق في الأمم المتحدة.
لكن مهمة الإصلاح تبدو جد مستحيلة، بسبب أن الأخبار التي تروج و التي سربها الإعلام الإسباني و بالضبط عن صحيفة EL-ESPANOL تفيد بأن المغرب ضرب بقوة هذه المرة، و أن الملك سوف يترأس في قصره ضواحي العاصمة الرباط في الأيام القليلة القادمة، مراسيم توقيع الاتفاقيات بين الأطراف الليبية حول الملف الأكثر خلافا و الأكثر إثارة للجدل، و هو ملف استغلال الآبار النفطية و تصدير المحروقات، و هذا الخبر يعني أن المحتل أنهى الجدال الليبي – الليبي، و قطع كل الطرق أمام الدول الكبرى التي كانت تطمع في مؤتمر برلين -2-، للحصول على حصص من الذهب الأسود الليبي عبر صفقات تسليح سرية على هامش المؤتمر للأطراف المتنازعة و تمكين الفرقاء الليبيين من قروض تمويلية متأخرة الدفع.
الخبر المسرب لا يتوقف تحليله عند نجاح المحتل المغربي في لجم جشع شركات الدول الكبرى كما يرى الجميع، بل له ما بعده من قراءات خطرة جدا، على المستوى الإفريقي و الجيوسياسي، حيث سبق للرباط أن رفضت الحضور و المشاركة في مؤتمر برلين، و قال خبراء أن رفض الرباط ليس بسبب استبعاد دبلوماسيتها من المؤتمر الأول برلين -1-، و لكن بسبب موضوع المؤتمر نفسه و ما يجري على هوامشه من إجتماعات سرية، حيث تبرر الرباط أنها في بوزنيقة نظمت مؤتمرا لليبيين، و فيما برلين تنظم مؤتمرا حول ليبيا، و يزيد إعلام الاحتلال الشرح بالقول أن المغرب جعل الليبيين يتناقشون فيما بينهم بكل هدوء و دون ضغوط و لا أجندات، بينما في برلين غاب الليبيون و تناقشت القوى الإقليمية التقليدية، حول مصير ثروات البلاد سرا و علانية.
نزيد في فهم أسرار ذلك التسريب الذي حدث بالصحافة الإسبانية، إلى أن نصل لنوايا الرباط من وراء الملف الليبي و قبله المالي، و تنصيبها لنفسها إفريقيا كقطب وحيد و منفرد في أسلوب إدارة الأزمات التي تحير الإتحاد الإفريقي و تعجزه، و تتقدم دبلوماسيا لتقف في موقع يسمح لها بالدفاع عن مصالح الشعوب الإفريقية و حماية ثرواتهم، و أنها مثلما وعدت بتوفير اللقاح للبلدان الإفريقية و انتزعت اتفاقيات حصرية من الصين و حتى من الروس لإنتاج ملايين الجرعات…، فإنها تعد شعوب “الماما أفريكا” بالدفاع عن ثرواتهم و منع القوى الكبرى من شفطها، و هذا يكفي لتلميع صورة الرباط إفريقيا و دوليا، و نذكر أن نجاح بوزنيقة -2- جعل القوى الوطنية السورية تنادي بوساطة الرباط في أزمة السوريين و دفعت الأمم المتحدة للتفكير في الاستعانة بوسطاء مغاربة في أزمة اليمن…، و ما خفي كان أعظم و أشد هولا.
محظوظة قيادتنا بعد سقوط “بوقادوم” في الإختبارين الليبي و المالي، و محظوظة أكثر كون الشعب الصحراوي من السهل إقناعه بأن إعفاء المحتل للقيادة من ذل آخر هزيمة و تحويل خسائرها إلى حساب الوزير الجزائري هو نصر لقيادتنا المسكينة، لأن الحليفة الجزائر بكل سمعتها و صيتها و تواجدها و أسطول سفاراتها و جيش ممثليها و حقائب أموالها…، انهزمت دبلوماسيا أمام المحتل، الذي يستطيع قائدنا “إبراهيم غالي” الانتصار عليه بسلفي وسيم على شواطئ الأطلسي مع كتيبة الهنتاتة المدرعة.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك