بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
نكاد نلمس بأصابعنا عري القضية أمام ما اخفيناه من صبوة الأماني و الأحلام.. ثم أن لحظة شقاء تكفينا كي نتحول جميعا إلى أمة من العمي تتنافس على وصف شهقة النور و أبصارنا لم تتذوق رشفتها يوما.. ذلك أننا جيل ظلم و هو يرضع الحزن و التشرد من تدي قضيته.. مرغما، ثم ظلم حين صدق بأن هيكل الثورة يرفع على أكتاف الأطهار.. و نسينا بأن الثورة لا تصنعها القلوب المؤمنة و الغاضبة.. بل تصنعها العقول العارفة.. كنا و لا نزال جيل من الأغبياء الطيبون.
و أنا أقسو على نفسي في جوف الليل كي أفهم أسرار الغياب و ريبة التجلي، و كأنني أكتشف القضية للمرة الأولى.. حيث رددت سهوا أسماء من يحكمونا فلم أجد بينهم عظيما أو عارفا مر بدروب العلم أو مشى في معابده بين الجامعات مدرسا أو منظرا قبل أن يعتلي منصبه في الرابوني.. فكل من إستوزرتهم القيادة و قدمتهم للمناصب، هم أصهار البيت الأصفر أو من عمومة حاكميه.
ثم أن نجاح أي قضية يكون بقياس نخبها و مستواهم، ذلك أن لحظة الترافع في المحافل الدولية تظهر الفرق في التركيبة البشرية لكل مجتمع، بل الأكثر إثارة للسخرية و العتاب، أن الأحداث الكبرى حيث تلتقى المجتمعات لتطاول الأعناق بفكرها و نظرتها إلى المستقبل المشترك للبشرية، هي نفسها التي يستغلها العدو لتصنيف النخب الموكول إليها الترافع و الدفاع على قضية الأمة الصحراوية.. لكن و بسبب الجهل الذي يسكن الوجوه المتكررة لقادتنا و مناضلينا على حد السواء فالعدو يسهل عليه تجاوز من يمثلون القضية.
هنا تنتهي المقارنات و أدخل وكر البيت الأصفر حيث تصنع نخب الأمة الصحراوية، أدخله بجيش من الأسئلة.. لعلي أجد لكم في ظلمة مكاتبه ما يشرح لنا أسباب هذا الضعف الذي لا يتوقف عن العبث بأعصاب القضية، و حولنا إلى أمة أبعد أمانيها هزيمة أقل قسوة، أو فضيحة لا تحرق القلوب، أو حتى إهانة صديقة للمشاعر.. المهم أن هذه النخب نجحت في الفصل بيننا و بين الأحلام الكبيرة.. وهذا النجاح تعجز عن تحقيقه نخب الدول التي سبقتنا إلى النضال بقرون.
فنتائج سياسة البيت الأصفر منحتنا فئة من المناضلين دوي الطراز التجاري و هي الفئة التي تحظى بكل الرضى و السخاء، و آخرين أقل تكلفة للقضية من طراز المساجين، و فئة ثالثة كلفتها المالية هي الأضعف لكن كلفتها التدميرية للقضية لا سقف لها، و هم الخونة ممن يبيعون جراح القضية إلى من يدفع بسخاء، ثم بعد أن تستكين الجراح يعودون إلى حضن القضية يحملون الندم.. و لهم منطق في هذا التوجه، حيث ذريعتهم التي يحاجون بها الشعب أن القيادة هضمت حقوقهم وخصت بها المقربين.. و هذه الذريعة تكفي لخلق نقاش لا ينتهي إلى يوم الدين.
كل هذا المنتوج النضالي و القيادي الذي يُعَلَّبُ في قلوب الشعب الصحراوي المنسي منذ سنين، هو تمرة نضجت على شجرة المعسكر الشرقي الذي أظهر بكل هياكله و نماذجه عدم صلاحيته للعصر الحديث، و رغم فساده و عدم ملائمته لقضيتنا لا تزال هذه القيادة تتشبت به.. ثم أننا نلوم الجزائر هنا، لأنه كان من واجبها أن تنتبه لحال النخب الصحراوية و أن تفرض على القيادة وضع برنامج إعداد للنخب سواء القيادية أو المناضلة في الساحات حسب حاجة القضية، و أن تضغط لإنشاء مدارس و تأهيلها داخل المخيمات و لم لا حتى بالأراضي المحررة.
لكن غياب التأطير و غياب التخطيط و النموذج، يفسر الحالة التي بلغها النضال، و الوضع الذي تغرق في تجاويفه القضية، و لن يفاجئني يوما إذا رأيت المناضلين يتصرفون برعونة أكبر مما هي عليهم سلوكياتهم الآن، و لن أحزن إذا خسر المناضلين حريتهم يوما أمام العدو في لعبة قمار بجزر الكناري أو بإسبانيا، و لن أصنف إرتجالية آخرين في الولاء للرابوني أو الرباط، لأن الفقر و العوز و الظلم النضالي، إن إجتمعوا في قلب واحد هلكت إرادة صاحبه… لكن إذا رأيتم يوما تجار القضية الكبار، مثل أمينتوا حيدر و قد فغرت فمها بالقهقهة فاعلموا أن القضية تقف على الحافة، و إذا صادفتمسليطينة و قد رفعت التحدي بنفخ ثدييها، و تضخيم شفتيها، فلا تسيئوا الحكم على المرأة لأن النضال بالمفاتن شعبة من شعب التضحية، و إذا قرأ عليكم بولسان السلام ذات صباح بالمخيمات و هو يمشي مترنحا و قد تجمل بأفخر العطور و إرتدى بذلته الأوروبية وحذائه الأمريكي الذي يساوي ما يستهلكه رضع مخيم السمارة مجتمعين لشهر بأكمله.. فلا تتهموه في ماله و تخوّنوه، فهو وجه القضية الذي يختفي خلفه كل شيء..
هذا كل ما نملكه من مناضلين و قادة.. أكرمكم الله، إخترت ذكرهم لأن الحنق بلغ مني ما لا يمكن تحمله، و قررت أخيرا أن أشرك الجميع في النقاش الساخر لعله يبعد عنا الكآبة للحظة.. و يخرجنا من الانتظار القاتل لوقوع المعجزة.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]